التكوير · الآية 26

﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ

«فَأَيْنَ»: فاءٌ تُرَتِّبُ، وظَرفٌ يَتَقَدَّمُ على الفِعل

ثَلاثُ جُمَلٍ نَفَت، ثُمَّ جاءَتِ الفاء. وهي لا تَبتَدِئُ كَلاماً بل تُرَتِّبُه على ما قَبلَه: رُفِعَ ما كانوا يَتَعَلَّلونَ بِه واحِداً بَعدَ واحِد، فَبَقِيَ السُّؤال. السُّؤالُ هُنا نَتيجةٌ لا افتِتاح.

ثُمَّ يَتَقَدَّمُ ظَرفُ المَكانِ على فِعلِه. لم يُقَلْ «أتَذهَبون» فيَكونَ الذَّهابُ نَفسُه مَوضِعَ السُّؤال. الذَّهابُ مُسَلَّمٌ بِه، وإنَّما المَطلوبُ جِهَتُه. وهذا أشَدُّ من الإنكار: يُقَرُّ لَهُم بِأنَّهُم ماضون، ثُمَّ يُطلَبُ مِنهُم أن يُسَمّوا إلى أين.

«تَذْهَبُونَ»: مُضِيٌّ يُخلي المَوضِعَ ولا يُذكَرُ لَه مُنتَهى

الجِذرُ ذ-ه-ب نَفاذٌ حادٌّ يَمضي فيَدَعُ مَجراهُ خالِياً، ثُمَّ تَفتَحُ الباءُ آخِرَ هذا المُضِيِّ عن خُروج. فالذَّهابُ في حُروفِه لَيسَ حَرَكةً مُجَرَّدة، بل مُفارَقةٌ تُفرِغُ مَكاناً. مَن ذَهَبَ خَلا مَوضِعُه بَعدَه.

وجاءَ الفِعلُ مُضارِعاً: حَرَكةٌ واقِعةٌ الآنَ تَتَجَدَّد، لا شَيءٌ مَضى وانقَضى. وجاءَ عارِياً من غايَة: لا «إلى» بَعدَه ولا مَقصِدَ مَذكور. فالسُّؤالُ يَقَعُ على الفَراغِ الذي في الجُملةِ نَفسِها: فِعلٌ يُفارِقُ ولا يَقولُ إلى أين.

وواوُ الجَماعةِ تَرُدُّ الخِطابَ إلى الذينَ قيلَ لَهُم وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ﴾. هُم أنفُسُهُم. رَفَضوا المُلازِمَ الذي بَينَهُم، فسُئِلوا عن الجِهةِ التي يَمضونَ إلَيها بَعدَ رَفضِه. مَن خَلا مَوضِعُه ولم يُسَمِّ مَقصِدَه فقد فارَقَ ولم يَصِلْ.


حَصيلة

كَلِمَتانِ بَعدَ ثَلاثِ نَفَيات. الفاءُ تُرَتِّبُ ولا تَبتَدِئ، فالسُّؤالُ ثَمَرةُ ما سَبَقَه لا بابٌ جَديد. وتَقديمُ «أينَ» يَنقُلُ السُّؤالَ من الفِعلِ إلى جِهَتِه: لَيسَ «أتَذهَبون» بل «أين». والجِذرُ ذ-ه-ب مُضِيٌّ يُفرِغُ المَوضِعَ ويَخرُجُ مِنه، فالحَرَكةُ في حُروفِها مُفارَقةٌ تَترُكُ خَلاءً. وجاءَ الفِعلُ مُضارِعاً مُتَجَدِّداً وبِلا غايةٍ مَذكورة، فالسُّؤالُ يَنزِلُ على الفَراغِ الذي تَرَكَه اللَّفظُ نَفسُه. وواوُ الجَماعةِ تُعيدُ الخِطابَ إلى الذينَ أُضيفَ إلَيهِم «صاحِبُكُم» في صَدرِ المَقطَع. تُرِكَ المُلازِمُ، ولم تُسَمَّ الجِهة.