التكوير · الآية 27

﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ

«إِنْ هُوَ إِلَّا»: بابٌ يُغلَقُ كُلُّه ثُمَّ يُفتَحُ مِنه واحِد

«إن» هُنا نافِيةٌ بِمَعنى «ما»، و«إلّا» تَستَثني بَعدَ نَفيٍ لم يُذكَرْ مَعَه مُستَثنىً مِنه. فالبِناءُ حَصرٌ: يُنفى الجِنسُ كُلُّه، ثُمَّ يُخرَجُ مِنه واحِد. لا يُقالُ «هو ذِكرٌ» فَحَسب، بل يُغلَقُ كُلُّ ما سِواه أوَّلاً.

وهذا رابِعُ النَّفيِ في المَقطَع، وهو أوَّلُ ما أثبَت. سَبَقَته ثَلاثٌ نَفَت ولم تُسَمِّ: لَيسَ بِمَجنون، لَيسَ بِضَنين، لَيسَ بِقَولِ شَيطان. ثُمَّ يَجيءُ نَفيٌ رابِعٌ يَحمِلُ في جَوفِه إثباتاً. ثَلاثَ مَرّاتٍ قيلَ ما لَيسَ هو، وفي الرّابِعةِ قيلَ ما هُوَ.

«ذِكْرٌ»: اختِراقٌ يَقبِض، بِإزاءِ غِطاءٍ نُفِي

الجِذرُ ذ-ك-ر نَفاذٌ حادٌّ يَنتَهي إلى إمساك، ثُمَّ تُجري الرّاءُ هذا القَبضَ وتُديمُه في الزَّمَن. فالذِّكرُ اختِراقٌ يَقبِضُ على المَعنى ولا يُفلِتُه، لا مُجَرَّدَ مُرورٍ على سَطحِ الغَفلة.

وضَعْه بِإزاءِ أوَّلِ ما نُفِيَ في المَقطَع: وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ﴾. تِلكَ دَعوى غِطاءٍ وُضِعَ على رَجُل، وهذا اسمُ خَرقٍ يَقَعُ على السّامِع. زَعَموا حِجاباً فوُصِفَ ما جاءَ بِه بِأنَّه هو الذي يَخرِقُ الحُجُب. أُجيبَتِ الدَّعوى بِضِدِّها لا بِنَفيِها فَقَط.

وجاءَ «ذِكرٌ» نَكِرةً بَعدَ الحَصر. النَّكِرةُ تَقولُ الجِنسَ ولا تُعطي لَقَباً: هو من هذا النَّوعِ لا من نَوعٍ آخَر. حُصِرَ في اسمٍ واحِد، ولم يُثَقَّلْ بِاسمٍ يُنازَعُ عَلَيه.

«لِّلْعَالَمِينَ»: لامٌ تَبسُطُ الجِهةَ بَعدَ حَصرٍ ضَيَّقَ

الجِذرُ ع-ل-م عَلامةٌ تَظهَرُ من عُمقٍ فتُمَيِّزُ ما هي عَلَيه، ومنه العِلمُ إدراكٌ يُحكَمُ فيَستَقِرّ، والعالَمُ كِيانٌ يَحمِلُ عَلامةً تَدُلُّ على صانِعِه. فالعالَمونَ حَمَلةُ عَلامات.

وانظُرْ إلى تَقابُلِ الطَّرَفَينِ في السَّطر. حُصِرَ المُسَمّى في واحِد، ثُمَّ بُسِطَ المُوَجَّهُ إليه بِلا حَدّ. ضَيَّقَتِ «إلّا» وفَتَحَتِ اللّام. وأمّا اجتِماعُ ذِكرٍ يَخرِقُ مَعَ عالَمينَ يَحمِلونَ عَلامة، فمُوافَقةٌ بَيِّنة: ما يَقبِضُ على المَعنى يُرسَلُ إلى مَن فيه عَلامةٌ تُقرَأ. لا يُخرَقُ إلّا ما وَراءَه شَيءٌ يُمسَك.


حَصيلة

يُبنى السَّطرُ حَصراً: «إن» تَنفي الجِنسَ كُلَّه و«إلّا» تُخرِجُ مِنه واحِداً. وهو رابِعُ النَّفيِ في المَقطَعِ وأوَّلُ ما أثبَت، فبَعدَ ثَلاثٍ قُلنَ ما لَيسَ هُوَ تَجيءُ رابِعةٌ تَقولُ ما هُوَ. والمُثبَتُ «ذِكرٌ» من ذ-ك-ر: اختِراقٌ حادٌّ يَقبِضُ على المَعنى ويُمِدُّه في الزَّمَن، وهو بِإزاءِ أوَّلِ ما نُفِيَ في المَقطَع، فالدَّعوى كانَت دَعوى غِطاءٍ والجَوابُ اسمُ ما يَخرِقُ الغِطاء. وجاءَ نَكِرةً، فقيلَ الجِنسُ ولم يُنازَعْ على لَقَب. ثُمَّ تَفتَحُ اللّامُ الجِهةَ على «العالَمين» من ع-ل-م، حَمَلةِ العَلاماتِ الذينَ يُقرَأُ فيهِم ما يَدُلُّ على صانِعِهِم. حُصِرَ الاسمُ في واحِد، وبُسِطَ المُرسَلُ إليه بِلا طَرَف.