التكوير · الآية 25

﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ

«وَمَا هُوَ»: اللَّفظُ نَفسُه، والمَحمولُ يَتَبَدَّلُ بِما بَعدَه

ثالِثُ النَّفَياتِ الثَّلاثةِ يَجيءُ بِاللَّفظِ الذي جاءَ بِه الثاني: «وما هو». والخَبَرُ بَعدَه هو الذي يُعَيِّنُ عَلامَ يَقَع. هُناكَ «بِضَنينٍ»، وَصفُ مَن يُمسِك، فهو لِصاحِبِ اليَد؛ وهُنا «بِقَولِ شَيطانٍ»، نِسبةُ كَلامٍ إلى مَصدَرِه، فهو لِلمَقول.

ولَيسَ هذا اضطِراباً في الضَّمير، بل اقتِصادٌ في اللَّفظ. الكَلِمَتانِ واحِدةٌ في الصّوت، والخَبَرُ يَفرِزُ. يَتَعاقَبُ في السَّطرَينِ رَجُلٌ وكَلامُه، ولا يُفصَلُ بَينَهُما إلّا بِما يوصَفانِ بِه.

وقَد افتُتِحَ المَقطَعُ بِنِسبةٍ مُثبَتة: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾. فالكَلِمةُ «قَول» هي هي في الطَّرَفَين، وما بَينَهُما نِزاعٌ في الإضافة. المَسألةُ كُلُّها: قَولُ مَن؟

«بِقَوْلِ»: كَلِمةٌ تُغادِرُ ولا تَنفَكُّ عَن قائِلِها

الجِذرُ ق-و-ل إطلاقٌ يَقطَعُ ويَبقى مَوصولاً بِمَصدَرِه، ثُمَّ تُطيلُ اللّامُ هذا الوَصلَ فيَبقى المَقطوعُ مُتَعَلِّقاً بِمَن أطلَقَه. فالقَولُ يُفارِقُ الصَّدرَ ولا يَتَخَلَّصُ من صاحِبِه.

ولِهذا صَحَّ النِّزاعُ على الإضافةِ أصلاً. لَو كانَ الكَلامُ يَنفَصِلُ عن قائِلِه انفِصالاً تامّاً لَما كانَ لِسُؤالِ المَصدَرِ مَعنى: يُسمَعُ ويُحكَمُ عَلَيه وحدَه. لكِنَّ الخَيطَ باقٍ، فمَن أرادَ إسقاطَ الكَلامِ طَلَبَ الطَّرَفَ الآخَرَ من الخَيطِ فنَسَبَه إلى مَن يُسقِطُه. مَن لم يَستَطِعْ رَدَّ الكَلامِ رَدَّ قائِلَه.

«شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ»: تَفريقٌ يُبعِد، ثُمَّ هو نَفسُه مُبعَد

الجِذرُ ش-ط-ن انتِشارٌ يَنبَسِطُ بِثِقَلٍ فيَبعُدُ عن مَركَزِه، ثُمَّ تُخرِجُه النّونُ فاعِلاً ظاهِراً. و«شَيطان» على فَيعَلان، بِناءِ المُبالَغة: كَثيرُ التَّشتيتِ والإبعاد. وجاءَ نَكِرةً: وَصفُ فِعلٍ حَيثُما وَقَع، لا واحِدٌ بِعَينِه يُشارُ إليه.

ثُمَّ يُتبَعُ بِـ«رَجيم»، وهو من ر-ج-م: رَميٌ يَتَتابَعُ فيَجتَمِعُ على المَرمِيِّ حتّى يُقصِيَه، والوَزنُ فَعيلٌ بِمَعنى مَفعول. فاجتَمَعَ في الوَصفَينِ بُعدانِ لا واحِد: بُعدٌ يَصدُرُ عنه ويُوقِعُه بِغَيرِه، وبُعدٌ يَقَعُ عَلَيه هو فيُزاحُ عن مَوضِعِه.

وضَعِ الوَصفَينِ بِإزاءِ الكَلِمةِ الأُولى في المَقطَع: وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ﴾. الصّاحِبُ في جِذرِه مَن لازَمَ فلم يُفارِق، والشَّيطانُ في جِذرِه ما فَرَّقَ فأبعَد، والرَّجيمُ ما أُبعِدَ فلم يُقَرَّبْ. أقرَبُ ما يَكونُ إلَيكُم يُنفى عنه أبعَدُ ما يَكونُ عَنكُم. القَولُ يَربِطُ، والشَّيطانُ يُفَرِّق: ولا يَخرُجُ من الرِّباطِ ما مادَّتُه التَّفريق.


حَصيلة

يَعودُ «وما هو» بِلَفظِه، ويَفرِزُ الخَبَرُ بَعدَه ما لم يَفرِزْه الضَّمير: «بِضَنينٍ» وَصفٌ لِصاحِبِ اليَد، و«بِقَولِ شَيطانٍ» نِسبةٌ لِلمَقول. وقَد فُتِحَ المَقطَعُ بِإضافةٍ مُثبَتة، «لَقَولُ رَسولٍ كَريم»، فالكَلِمةُ واحِدةٌ في الطَّرَفَينِ والنِّزاعُ في الإضافة. والجِذرُ ق-و-ل انفِصالٌ يَبقى مَوصولاً بِقائِلِه، ولِذلك كانَ سُؤالُ المَصدَرِ سُؤالاً حَقيقِيّاً لا فُضولاً: مَن لم يَستَطِعْ رَدَّ الكَلامِ رَدَّ قائِلَه. وأمّا المَنفِيُّ فمُضاعَفُ البُعد: ش-ط-ن انتِشارٌ ثَقيلٌ يُبعِدُ عن المَركَز، ور-ج-م رَميٌ مُتَتابِعٌ يُقصي، والوَزنانِ يَجعَلانِ الأوَّلَ مُبالِغاً في الإبعادِ والثانيَ واقِعاً عليه الإبعاد. وفي صَدرِ المَقطَعِ «صاحِبُكُم»، وهو في جِذرِه مَن لازَمَ فلم يُفارِق. أقرَبُهُم إلَيهِم نُفِيَ عنه أبعَدُ ما يُتَصَوَّرُ بُعداً.