البروج · الآية 2

﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ

«اليوم»: وقتٌ يتجمّع لا رقمٌ يمرّ

والمرادُ بـ«اليوم» في اللسان حيّزٌ من الزمن يَجتمعُ فيه فعلٌ أو ظهور، وهو غيرُ الرقم في التقويم، ولذلك يُقال «يوم» للحظةٍ طويلةٍ أو قصيرةٍ بحسب ما يَحملُه ذلك الحيّز، واليومُ هو المَشهد حين يَتكثّف الزمن حتى يُرى أثرُه.

واليومُ هنا غيرُ مُبهَم، فقد دخلَت عليه «أل»، ثمّ وصفَه «الموعود»، وصار معروفاً بوعدِه لا بطوله. وما يَجعلُه يوماً هو أنّه المَوضعُ الذي يَفي فيه الزمنُ بما حُمِّل، لا عددُ ساعاته.

«الموعود»: المستقبل مربوطٌ بعهد

والوعدُ مادّتُه و-ع-د، وهي وَصلٌ يَلتصقُ بالباطن ثمّ يَثبُتُ نحو ما يأتي. والوعدُ لا يَصنعُ الحَدثَ عند وقوعِه فقط، فهو يَربطُ القلبَ به قبل وقوعه أيضًا، ولذلك يحملُ الوعدُ ثِقلاً قبل أن يَظهرَ موعودُه.

والصيغةُ «الموعود» تضعُ اليومَ في جهةِ المفعول، فعُدل به عن جهة الذي يَعِد إلى جهة الذي وُعِدَ به، وصار اليومُ نفسُه مَحمولاً في القول السابق له، فإذا جاءَ لم يجئ غريباً، وجاء كما يَعودُ الدَّينُ إلى صاحبه.

من السماء إلى اليوم

وترتيبُ القَسَمَين دقيق، فالأوّلُ يَرفعُ العينَ إلى عُلوٍّ ذي بُروج، والثاني يَرفعُ الزمنَ إلى موعدٍ لا يضيع، وبينهما يَتكوّنُ المَشهد: المكانُ غيرُ خالٍ، والزمنُ غيرُ سائلٍ بلا ضفاف.

ثمّ تأتي الآيةُ التالية: وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾، وما دامَ المكانُ ذا علامات، والزمنُ ذا موعد، فلا بدّ أن يقومَ الشهود، والوعدُ لا يُتركُ بلا عين.


حَصيلة

«اليوم» من -ي-و-م- حيّزٌ من الزمن يَتجمَّعُ فيه ظهورٌ أو فعل، وليس رقماً في تقويم. وما يَرفعُ هذا اليومَ إلى مرتبةِ القَسَم هو وصفُه بـ«الموعود»، وهو اسمُ مفعولٍ من -و-ع-د- يدلّ على أنّ اليومَ نفسَه وُعِدَ به، أي صارَ مَحمولاً في قولٍ سابقٍ له قبل أن يأتي. وكما كانت السماءُ في الآيةِ الأولى ذاتَ بُروج ولم تكن فراغاً، فالزمنُ هنا مَربوطٌ بعهد غيرُ سائلٍ مُبهَم. ووَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ يُثبتُ أنّ للمصير وعداً سابقاً يَسبقُه كما يَسبقُ الدَّينُ صاحبَه، وذلك اليومُ لم يأتِ بعدُ في الحسّ، غير أنّه حاضرٌ في القول الثابت. وهكذا يَشدُّ القَسَمُ الثاني الزمانَ كما شدَّ الأوّلُ المكان، فلا فراغَ في العُلوّ، ولا عبثَ في المسير، ومن موضعِ هذا الوعدِ تَنمو سائرُ الآياتِ التي ستأتي.