الطارق · الآية 3

﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

النَّجْمُ الثَّاقِبُ

«النَّجم» من النُّجوم: الخارِجُ من سِتر

الجذرُ ن-ج-م في العربيّةِ يَجمَعُ كلَّ ما يَنجُمُ، أي يَظهَرُ بَعدَ كُمون، فالنَّباتُ النّاجِمُ ما يَخرُجُ من التُّرابِ غَضّاً، والنَّجمُ في السَّماءِ ما يَخرُجُ من خَلفِ الضَّوءِ النَّهاريِّ حينَ يَخمُد، ويُقالُ في اللُّغَة «نَجَمَ الأمرُ» إذا ظَهَرَ بَعدَ كُمونِ سَبَبِه، وهذه المَعاني كُلُّها في الجذرِ نَفسِه.

واختارَتِ الآيةُ هذه الكَلِمَةَ بالذّاتِ لأنَّ الطّارِقَ يَأتي ليلاً، أي بَعدَ أن يُحجَبَ النَّهار، وما يَطرُقُ في اللَّيلِ نَجمٌ، أي شَيءٌ يَنبَثِقُ من خَلفِ سِتر. والظّاهِرُ نَهاراً لا يَطرُق، والطّارِقُ ما يَخرُجُ من خَفاءٍ ويَنزِلُ على مَن يَطرُقُه نَزلَةً مُفاجِئَة.

«الثَّاقِب» من الثُّقوب: النّافِذُ بِشِدَّة

و«ثاقِب» اسمُ فاعِلٍ من «ثَقَبَ»، ومَعناه خَرَقَ بِنُفوذٍ مُحَدَّد، فالثُّقبُ خَرقٌ مَسلوكٌ بِأداةٍ نافِذَة، دونَ الفَتحَةِ العامَّة. والثَّاقِبُ ما يَنفُذُ في غَيرِه فيَخرِمُه، ومنه «رَأيٌ ثاقِب»، وهو الرَّأيُ الذي يَنفُذُ إلى لُبِّ الأمرِ ولا يَقِفُ عَلى ظاهِرِه.

فالنَّجمُ الثّاقِبُ نَجمٌ ضَوءُه يَنفُذُ في الظُّلمَة، يَخرِمُها فيَصِلُ إلى عَينِ النّائِم، فهو يُضيءُ من بَعيدٍ ويَنفُذُ مع ذلك فيَنقُر. وبهذا تَجتَمِعُ في الكَلِمَتَينِ صورَتان: ضَوءٌ يَخرُجُ من خَفاء، ونُفوذٌ يَخرِقُ السِّترَ بَينَ مَصدَرِه ومَن يَتَلَقّاه.

السورةُ تُفَسِّرُ نَفسَها

أَقسَمَتِ الآيةُ الأُولى بـوَالطَّارِقِ﴾، وسَأَلَتِ الثّانِيَةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ﴾، وأجابَتِ الثّالِثَة: النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾، فهي ثَلاثُ آياتٍ في حَلَقَةٍ مُكتَفِيَةٍ من قَسَمٍ فسُؤالٍ فجَواب، والسورةُ تَدُلُّ على ما تَقصِدُ من غَيرِ أن تَستَدعِيَ خارِجَها.

وهذه البِنيَةُ نَفسُها هي التي تَجعَلُ السورةَ في يَدِ القارئ، فلا حاجَةَ به إلى أن يَستَجدِيَ تَفسيراً من خارج. والآيةُ تُعَرِّفُ بِما تُسَمّيه. ومَن قَرَأَ في تَتابُع: «والطّارِق ... وما أَدراكَ ما الطّارِق ... النَّجمُ الثّاقِب» أَخَذَ المَعنى كاملاً مِن بَينِ الآياتِ الثَّلاث، دونَ نَقلٍ يَأتي من بَعيد.


حَصيلة

تُجيبُ كلمتانِ عن سؤالِ الآية الثانية: النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾. و«النَّجم» من -ن-ج-م- ما يَنجُم، أي يَظهرُ بعدَ خفاء، كالنباتِ ينجُمُ من التراب، والنجمِ يطلعُ من خلفِ الأفق، والأمرِ ينجُمُ بعدَ كُمونِ سببِه. فالطارقُ الذي يَطرقُ ليلاً هو بالضرورةِ شيءٌ خرجَ من وراءِ ستر، لأنّ النهارَ ظاهرٌ فلا يحتاجُ إلى طَرق، والليلُ يُسمَعُ فيه ما خرجَ من خفاء. و«الثاقب» اسمُ فاعلٍ من -ث-ق-ب-، ومعناه خَرَقَ بنفوذٍ محدّد، والثُّقبُ خَرقٌ مَسلوكٌ بأداةٍ نافذة، ومنه «رأيٌ ثاقب» يَنفُذُ إلى لُبِّ الأمر ولا يَقفُ على ظاهره. فالنجمُ الثاقبُ يضيءُ من بعيد، ويَنفُذُ ضوؤُه مع ذلك في الظلمةِ حتى يبلغَ مَن يَتلقّاه. وهكذا تُفسّرُ السورةُ نفسَها بقَسَمٍ ثمّ سؤالٍ ثمّ جواب، في حلقةٍ مُكتفيةٍ لا تحتاجُ إلى خارجها.