الطارق · الآية 4

﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ

«إن ... لَمَّا»: تَركيبُ الكُلِّيَّةِ المُحكَمَة

«إن» في العربيّةِ تَأتي على ثَلاثَةِ وُجوه: شَرطيّةً، ومُخَفَّفَةً من «إنّ»، ونافِيَةً، وهي في هذا المَوضِعِ نافِيَة. و«لَمَّا» تَأتي بِمَعنى «إلّا» بَعدَ النَّفي، فيَصيرُ المَعنى: ما كلُّ نَفسٍ إلّا وعلَيها حافِظ، وهو تَركيبٌ يَستَخدِمُ النَّفيَ والاستِثناءَ مَعاً لِيُؤَكِّدَ الإثبات.

وهذه التَّقنيَةُ في العربيّةِ تَجعَلُ الإثباتَ أَقوى ممّا لو قِيلَ مُباشَرَةً «على كلِّ نَفسٍ حافِظ»، لأنَّ الذّهنَ يَمُرُّ أوَّلاً بِنَفي الكُلِّ فيَستَعِدُّ لاحتِمالِ الاستِثناء، ثمَّ يُغلَقُ الاستِثناءُ نَفسُه بـ«إلّا»، فلا يَبقى في الذّهنِ مَوضِعٌ لِنَفسٍ مُنفَلِتَة.

«النَّفس» المُفرَدَة، لا «النَّاس»

والآيةُ تُخاطِبُ النَّفسَ في إفرادِها دونَ جَماعَتِها، فـ«كلُّ نَفسٍ» كلُّ نَفسٍ على حِدَة. ولو قِيلَ «على النّاسِ حافِظ» لاحتَمَلَ القارئُ أن يَكونَ المَقصودُ جَماعَةً يَحرُسُها حارِسٌ من بَعيد، وأمّا «نَفس» المُفرَدَةُ فتَجعَلُ الحِفظَ مُلتَصِقاً بكلِّ واحِدَةٍ منها على انفِراد.

والنَّفسُ في العربيّةِ هي الذّاتُ في حَيثِيَّةِ تَفَرُّدِها، فعلى كلِّ نَفسٍ حافِظُها، ولا تَجمَعُ نَفسَينِ حِراسَةٌ واحِدَة. ولِذلكَ كانَ التَّعبيرُ بـ«علَيها»، أي فَوقَها ومُلازِمٌ لها، وعُدِلَ عن «معها» التي تُشعِرُ بالجَليس، وعن «عِندَها» التي تُشعِرُ بالزّائر.

«حافِظ» اسمُ فاعِلٍ في حالَةِ الفِعل

و«حافِظ» اسمُ فاعِلٍ من حَفِظَ، بِمَعنى ما يَحفَظُ في حالَةِ الحِفظ، فهو فاعِلٌ يُمارِسُ الفِعلَ الآنَ، دونَ الوَصفِ المَوسومِ العابِر. والصِّفَةُ نَكِرَةٌ مَرفوعَة: «حافِظٌ»، وأوثِرَت على «الحافِظ» المُعَرَّف، والنَّكِرَةُ هنا تَدُلُّ على أنَّ الحِفظَ قائمٌ على كلِّ نَفس، من غَيرِ التِفاتٍ إلى تَعيينِ الحافِظ بنَفسِه.

وفي السورةِ نَفسِها، بَعدَ خَمسِ آيات، تُذكَرُ النَّفسُ في مَوضِعٍ آخَر فيُكشَفُ ما يَخفى: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾. فالحافِظُ يَعلَمُ ما يُبلى، ومَن يَعلَمُ ما يَنزِلُ إلى السَّريرَة هو ذاتُه مَن يَحفَظُ على كلِّ نَفسٍ سَريرَتَها، والآيَتانِ تَتَبادَلانِ مَعنىً واحداً: كلُّ نَفسٍ مَحفوظَة، وكلُّ نَفسٍ تُكشَفُ فيها السَّريرَة.


حَصيلة

يَنزلُ جوابُ القَسَمِ بعد مَشهدِ السماء والطارق: إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾. والتركيبُ في العربيّةِ صارم، فـ«إن» نافيةٌ بمعنى «ما»، و«لمّا» استثناءٌ بمعنى «إلّا»، والمعنى: ما كلُّ نفسٍ إلّا عليها حافظ، والاستثناءُ بعدَ النفي يُحكمُ الكلّيّةَ ولا يتركُ ثغرةً لنفسٍ منفلتة. و«النفس» من -ن-ف-س-، وهي الذاتُ في تفرُّدِها، فـ«كلُّ نفسٍ» كلُّ فردٍ على حِدَة، لا جماعةٌ تُحرَسُ من بعيد. و«حافظ» من -ح-ف-ظ- اسمُ فاعلٍ في حالةِ الفعل، يحفظُ الآنَ، لا من حَفِظَ مرّةً ومضى. وحرفُ الجرّ «عليها» يُفيدُ الاستعلاءَ والملازمة، أي فوقَها ومُلاصقٌ لها، دونَ صحبةِ الجليس ومرورِ الزائر. والآيةُ تُوصلُ المشهدَ السماويَّ بالنفسِ الواحدة: النجمُ الثاقبُ ينفُذُ، والحافظُ فوقَ كلِّ نفسٍ بلا استثناء.