الطارق · الآية 5

﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ

«فاء»ٌ تَنقُلُ القارئَ من العام إلى الذّات

قَرَّرَتِ الآيةُ السّابِقَةُ كُلِّيَّةَ الحِفظ: ما من نَفسٍ إلّا علَيها حافِظ، والفاءُ في «فلْيَنظُرِ» تَجعَلُ ما بَعدَها فَرعاً عمّا قبلَها، والمَعنى: بِناءً على ذلكَ الحِفظِ يَنبَغي للإنسانِ أن يَنظُر، فالحارِسُ دَعوَةٌ إلى التَّأَمُّل، ولَيسَ سَبَباً لِلهَدأَة.

وتَنتَقِلُ الآيةُ من «نَفس» في الآيةِ السّابِقَة إلى «الإنسان»، أي من المُفرَدِ إلى الجِنس، فكأنَّ الحِفظَ يَنزِلُ على كلِّ نَفسٍ على حِدَة، والأمرَ بالنَّظَرِ يَتَوَجَّهُ إلى الإنسانِ في صِنفِه.

«النَّظَر» نَظَرُ التَّأَمُّل، لا نَظَرُ العَين

و«نَظَر» في العربيّةِ يَتَّسِعُ من نَظَرِ العَين إلى نَظَرِ العَقل، ومِن خَصائصِه أنَّه يُستَعمَلُ في كِلا المَعنَيَين دونَ تَفريقٍ صَريحٍ في الجَرس، والسِّياقُ هو الذي يُمَيِّزُهما. والنَّظَرُ في الآيةِ مُتَّجِهٌ إلى ما لا يُرى بالعَين: «مِمَّ خُلِق»، والعَينُ لا تُمسِكُ بأَصلِ الخَلق، فالمُرادُ بالنَّظَرِ هنا التَّأَمُّلُ الذي يَتَتَبَّعُ.

واللّامُ في «فلْيَنظُر» لامُ الأمر، والأمرُ مَسوقٌ على وَجهِ الحَتم دونَ الاقتِراح، فالإنسانُ مَأمورٌ بالنَّظَرِ غَيرُ مُخَيَّرٍ بَينَ أن يَنظُرَ وألّا يَنظُر، ومَن أَقَرَّ بأنَّ علَيه حافِظاً فالأَولى به أن يَتَأَمَّلَ كَيفَ صارَ.

«مِمَّ خُلِق»: السُّؤالُ عن الأَصل

و«مِمَّ» أصلُها «من ما»، أُدغِمَتِ النونُ في الميم، والسُّؤالُ بـ«مِنْ» يَطلُبُ الأَصلَ والمادَّةَ دونَ الكَيفيَّة، فالمَسؤولُ عنه من أيِّ شَيءٍ خُلِق، وأمّا كَيفَ خُلِق فخارِجٌ عن السُّؤال. وتَترُكُ الآيةُ السُّؤالَ مَفتوحاً في هذا المَوضِعِ، ثمَّ تُجيبُ في الآيةِ التّاليَة: خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ﴾، فهو سُؤالٌ ثمَّ جَواب، على نَحوِ ما جاءَ في الآيَتَينِ الثّانيةِ والثّالِثَة.

والسورةُ بهذا تُكَرِّرُ بِنيَتَها في الطَّرحِ ثمَّ السُّؤالِ ثمَّ الجَواب: السَّماءُ والطّارِقُ، ثمَّ ما الطّارِق، ثمَّ النَّجمُ الثّاقِب، ثمَّ على كلِّ نَفسٍ حافِظ، فلْيَنظُرِ الإنسانُ مِمَّ خُلِق، ثمَّ خُلِقَ من ماءٍ دافِق. وهو تَوقيعٌ مُكَرَّرٌ يَتَعَلَّمُ منه القارئُ كَيفَ تَنزِلُ المَعرفَةُ في الآذان.


حَصيلة

الفاءُ في «فلينظر» فاءُ التفريع، فبِناءً على أنّ على كلِّ نفسٍ حافظاً يُؤمَرُ الإنسانُ بالنظر: فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾. واللامُ في «فلينظر» لامُ الأمر الحَتميّ لا الاقتراحيّ. و«النظر» من -ن-ظ-ر- يتّسعُ في العربيّةِ من نظرِ العين إلى نظرِ التأمُّل، والسياقُ يُعيّنه هنا تأمُّلاً لأنّ موضوعَه «مِمَّ خُلِق» ممّا لا تُمسكُه العين. و«الإنسان» من -أ-ن-س- يَجمعُ الجنسَ كلَّه، فقد كانَ الحفظُ على كلِّ نفسٍ في إفرادِها، والأمرُ بالنظرِ يتوجَّهُ إلى الإنسانِ في صنفِه. وموضوعُ النظرِ سؤالٌ يُؤجَّلُ جوابُه إلى الآيةِ التالية، و«مِمَّ» أي «من ما» تطلبُ الأصلَ والمادّة. وتُكرِّرُ السورةُ بنيتَها من طَرحٍ ثمّ سؤالٍ ثمّ جواب، فالمشهدُ السماويُّ كشفَ ما فوق، والنظرُ يُوجَّهُ الآنَ إلى ما كان الناظرُ نفسُه منه.