الأعلى · الآية 6

﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ

«سَنُقرِئُك»: الإقراءُ تَكليفٌ بِالقِراءَة

الجذرُ ق-ر-أ في العربيّةِ جَمعٌ وضَمّ. ومنه أوّلُ ما نَزَلَ مِنَ الكِتاب: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. هُناكَ أَمرٌ بِالقِراءَة، وَهُنا وَعدٌ بِالإقراء. الأَمرُ يَكَلِّفُ القارئَ بِالجَمعِ، والوَعدُ يَجعَلُ مَن يَأمُرُ هو الذي يَهَبُ القُدرَةَ على الجَمع. الفِعلانِ مِن جَذرٍ واحِدٍ يَتَكامَلانِ في صورَةٍ واحِدَة.

والصِّيغَةُ في «سَنُقرِئُك» أَفعَل (أَقرَأَ): نَقلُ الفاعِلِ المَفعولَ إلى حالِ القِراءَة. ليس «سَنَقرَأُ علَيك» (الفاعِلُ يَقرَأ)، بَل «سَنُقرِئُك» (الفاعِلُ يَجعَلُ المَفعولَ يَقرَأ). الفاعِلُ يَهَبُ المَفعولَ القُدرَةَ على الجَمعِ في صَدرِه ما يُلقى عَلَيه. والكافُ في «نُقرِئُك» تُحَدِّدُ المَن المُكَلَّف، لَكِنَّ المَعنى يَنفَتِحُ على كلِّ مَن يَتَلَقّى القُرآنَ بَعدَه: مَن قُرِّئَ هذا الكِتابَ، أُلهِمَ القُدرَةَ على جَمعِه.

«فَلا تَنسى»: النَّتيجَةُ تَعقُبُ الإقراءَ بِلا مَهَل

الفاءُ تَعقيبيَّةٌ كَالفاءاتِ التي سَبَقَت في «فَسَوّى» و«فَهَدى» و«فَجَعَلَه». الإقراءُ والحِفظُ في فِعلٍ واحِد. والجذرُ ن-س-ي في العربيّةِ يَدُلُّ على الانفِصالِ بَين الذِّهنِ والمَحفوظ. النِّسيانُ ليسَ مُجَرَّدَ غِيابِ الذَّاكِرَة، بَل قَطعُ الصِّلَةِ بَين القَلبِ وما كانَ فيه. ومنه «نَسِيَ مَوضِعَه» (انقَطَعَت الصِّلَةُ بَين الذِّهنِ والمَكان).

والآيةُ تَنفي عَن المُقرَأ هذا الانفِصال. لا أَنَّ ذِهنَه يَتَّسِعُ بِجُهدِه، بَل أَنَّ مَن أَقرَأَهُ هو الذي يُلصِقُ المَقروءَ بِصَدرِه. الكَلِمَةُ التي تُلقى مِنَ الأَعلى لا تَنفَلِتُ مِنَ المَكانِ الذي وُضِعَت فيه. ومَن أُلقِيَ عَلَيه القُرآنُ في صورَةِ الإقراءِ، صارَ هو نَفسُه مَكاناً يَحفَظ.

«إلّا ما شاءَ اللَّه»: الاستِثناءُ يَأتي في الآيَةِ التَّاليَة

هذِه الآيَةُ تَفتَحُ الوَعد، والآيَةُ التَّاليَةُ تَستَثنيه. وَعدٌ مُطلَقٌ في «فلا تَنسى»، ثُمَّ تَقييدٌ في «إلّا ما شاءَ اللَّه». الكِتابُ لا يُطلِقُ الوَعدَ بِغَيرِ تَقييدٍ، ولا يُقَيِّدُ الوَعدَ بِغَيرِ إطلاقٍ يَسبِقُه. الإطلاقُ والتَّقييدُ في صَدرٍ وعَجُزٍ مِن جُملَةٍ واحِدَة.

والقارئ، إذ يَقِفُ بَين هاتَين الآيَتَين، يَفهَمُ أَنَّ ما يَحفَظُ ليس آلَةً مُستَقِلَّةً بِنَفسِها، بَل صِلَةٌ تَدومُ بِشِيئَةِ مَن أَوصَلَها. لَو شاءَ مَن يُقرِئُ أن يَنفَصِلَ المُقرَأُ عَن جُزءٍ مِمّا قُرِّئ، فَعَل. وَالشِّيئَةُ مَردودَةٌ إلى المُقرِئ، لا مَخوفٌ منها بِالعَبَثِيَّة.


حَصيلة

تنقلبُ السورةُ بعدَ شلّالِ الأفعالِ الكونيّةِ إلى مُخاطَبةٍ مباشرة: سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ﴾. السينُ استقبالٌ يُؤكِّدُ الوعدَ، ونونُ العظمةِ تُلصقُ الفعلَ بمَن خلقَ فَسوَّى. «نُقرِئُك» على وزنِ أَفعَل من -ق-ر-أ- تكليفُ الفاعلِ بأن يجعلَ المفعولَ قارئاً: ليس «سَنَقرأُ علَيك» فحسب بل «سَنُقرِئُك»، الفاعلُ يهبُ المفعولَ القدرةَ على الجمعِ في صدرِه. ثمّ الفاءُ بلا مَهَل: «فَلا تَنسى». النتيجةُ موصولةٌ بالإقراء: لا يُقرَأُ القارئُ ثمّ يُتركُ ذاكراً بجُهدِه. الإقراءُ نفسُه يحفظُ من النسيان. «النسيان» من -ن-س-ي- الانفصالُ بين الذهنِ والمحفوظ؛ والذي قُرِّئَ بهذا الوعدِ لا ينفصلُ ذهنُه عمّا أُقرِئ. الكلمةُ تلتصقُ بالصدرِ بفعلِ من ألقاها. وما يُفلحُ في الصدرِ هو ما يخفقُ في الكَلأ: المرعى يتحوَّلُ والكلمةُ لا تُنسى.