الأعلى · الآية 5

﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَىٰ

«جَعَل»: التَّحويلُ في يَدٍ واحِدَة

الجذرُ ج-ع-ل في العربيّةِ يَدُلُّ على وَضعِ الشَّيءِ في حالٍ ما، أو نَقلِه مِن حالٍ إلى حال. ومنه «جَعَلَهُ مَلِكاً» (نَقَلَه إلى تِلك المَنزِلَة)، و«جَعَلَ في الإناءِ ماءً» (وَضَعَه فيه). الفِعلُ هُنا يَنقُلُ المَرعى مِن حالِه الأَولى إلى حالٍ ثانيَة: مِن خُضرَةٍ غَضَّةٍ إلى غُثاءٍ مُسَوَّد.

والذي يُخرِجُ هو الذي يَجعَل. لا يَخرُجُ المَرعى ثُمَّ يُتَرَكُ لِزَمَنٍ يَفعَلُ بِهِ ما يَشاء. الفاءُ في «فَجَعَلَه» تَجعَلُ الإخراجَ والتَّحويلَ مَوصولَين بِيَدٍ واحِدَة. وفي البَقَرَة إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾: «جَعَل» يَنقُلُ الإنسانَ إلى مَنزِلَةٍ. وفي هذِه السورَة: «جَعَل» يَنقُلُ المَرعى إلى صورَةٍ مُختَلِفَة. والفِعلُ نَفسُه يَخدُمُ الرَّفعَ والوَضعَ في الكِتاب.

«غُثاءً أَحوى»: ما خَفَّ ومَا اسوَدَّ

الجذرُ غ-ث-و في العربيّةِ يَدُلُّ على ما يَطفو على الماءِ مِن زَبَدٍ وعِيدانٍ مَيتَة. الغُثاءُ ما هانَ وَزنُه فلم يَعُدْ يَستَقِرُّ في قَعر، بَل يُحمَلُ على وَجهِ السَّيلِ ويُلقى. ومنه قَولُ العَرَبِ «غُثاءُ السَّيل» لِما يَجمَعُه السَّيلُ مِن نَبتٍ يابِسٍ وغُصونٍ مَكسورَة. والمَرعى، إذ صارَ غُثاءً، خَسِرَ ثِقَلَ حَياتِه: لم يَعُدْ يَستَقبِلُهُ فَمٌ، ولم يَعُدْ يَحفَظُهُ راعٍ.

وَ«أَحوى» وَصفٌ مِن ح-و-ي على وَزنِ أَفعَل التَّكثيريِّ لِلَّون. الجذرُ ح-و-ي يَدورُ على الجَمعِ والاحتِواء، ومنه الحُوَّةُ سَوادٌ يَضرِبُ إلى الخُضرَةِ المُسَوَّدَة. لَونُ النَّبتِ بَعدَ ما يَتَحَوَّلُ. صورَةُ الكَلأِ بَعدَ أن يُحرَقَ بالشَّمسِ ثُمَّ يَتَفَتَّتَ. والوَصفُ بِاسمِ اللَّونِ يُغني عن إطالَةِ الصورَة: كَلِمَةٌ واحِدَةٌ تَكفي مَن يَعرِفُ ما يَفعَلُه الزَّمَنُ بِالخُضرَة.

السورَةُ تَحَوَّلَ مَنبَرُها

تَنتَهي بِهذِه الآيَةِ المُقَدِّمَةُ الكَونيَّةُ مِنَ السورَة. خَمسُ آياتٍ تَنزِلُ مِنَ الأَعلى إلى الغُثاءِ الأَحوى. ثُمَّ يَنقَلِبُ المُتَلَقّي: مِن مَن يَنظُرُ إلى الكَون، إلى مَن يُخاطَبُ في فِعلِه. الآيَةُ التَّاليَةُ سَتَقول: «سَنُقرِئُكَ فلا تَنسى». الكَونُ الذي يَخرُجُ ويُجعَلُ غُثاءً هو نَفسُه السِّياقُ الذي يُلقى فيه القُرآنُ على فَمٍ يَحفَظُه.

والقارئ، إذ يَتَتَبَّعُ هذا الانتِقال، يَدخُلُ السورَةَ مَرَّتَين: مَرَّةً في صورَةِ المَرعى الذي خُلِقَ ثُمَّ تَحَوَّل، ومَرَّةً في صورَةِ المَأمورِ بِأن يَستَقبِلَ ما يُلقى عَلَيه. الأَوَّلُ يُسَبِّحُ الذي خَلَقَ. الثاني يَستَقبِلُ ما يُقرَأُ عَلَيه. الكَلِمَةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والمَرعى الأَخضَرُ يَسبِقُ الغُثاءَ في حَلَقَةٍ تَدورُ عَلى نَفسِها.


حَصيلة

تُختَتَمُ سلسلةُ الأفعالِ الكونيّةِ الستّة بهذه الآيةِ التي تُحوِّلُ المرعى: فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَىٰ﴾. الفاءُ تأخذُ المرعى الأخضرَ من الآيةِ السابقةِ وتُعقِبُه بِتَحوُّل: ما إن خرجَ حتى صارَ. «جَعَل» من -ج-ع-ل- نقلُ الشيءِ من حالٍ إلى حال؛ والذي أَخرجَ هو الذي يَجعَل، يَدٌ واحدةٌ تُخرِجُ وتُحوِّل. «غُثاء» من -غ-ث-و- ما طفا على الماءِ من نبتٍ ميِّتٍ متفتِّت، ما خفَّ وانكسرَ ولم يعُد يحملُ نفسَه. «أَحوى» من -ح-و-ي- على وزنِ أَفعلَ للّون: لونٌ بين السوادِ والخضرةِ المُسوَّدة، لونُ ما تهدَّمَ بعدَ غضاضتِه. ما كانَ خضرةً يستقبلُها فمُ الحيِّ صارَ غُثاءً مُسوَّداً يتطاير. وفي هذا دَرسُ السورة: الأرضُ تُخرجُ عطاءً يتحوَّل، والمرعى ليس مِلكاً ثابتاً. الشلّالُ يمضي إلى نهايتِه، والسياقُ بعده يلتفتُ إلى مُخاطبةِ مَن يستقبلُ ما لا يتحوَّل.