الغاشية · الآية 1

﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ

«هَل»: استِفهامٌ يَفتَحُ الأُذُنَ قَبلَ الخَبَر

تَبدَأُ السّورةُ بِسُؤالٍ لا بِإخبار: «هل أتاك»، و«هل» أداةٌ تَطلُبُ التَّصديق، غَيرَ أنَّها هُنا تُهَيِّئُ سَمعَ المُخاطَبِ لِما سَيَأتي أكثَرَ مِمّا تَنتَظِرُ مِنه جَواباً. والسُّؤالُ الذي لا يُقصَدُ بِه الاستِخبارُ يُقصَدُ بِه التَّنبيه، فهو يوقِفُ السّامِعَ ويَجعَلُه طَرَفاً في الكَلامِ قَبلَ أن يَسمَعَ مَتنَه.

فالعِبارةُ تَستَدعي الانتِباهَ بِأن تَجعَلَه مَطلوباً، وقد عُدِلَ فيها عن إخبارٍ من نَحوِ «إنَّ غاشِيةً تَأتي» إلى السُّؤالِ عن بُلوغِ خَبَرِها. وفي السُّؤالِ تَلويحٌ بِأنَّ المَسؤولَ عَنه عَظيمٌ يَستَحِقُّ أن يُتَنَبَّهَ إلَيه، فما يُستَفتَحُ بِالسُّؤالِ أوقَعُ في النَّفسِ مِمّا يُلقى ابتِداءً.

«أَتاكَ»: مَجيءٌ يَنتَهي إلى السامِع

الجِذرُ أ-ت-ي يَدورُ على انطِلاقٌ يَسري ثُمَّ يُلاقي مَحَلَّه، والإتيانُ وُصولٌ بَعدَ سَيرٍ يَنتَهي إلى مَوضِعٍ أو شَخصٍ بِعَينِه. وحينَ قيلَ «أتاكَ» جُعِلَ المُخاطَبُ هو المُنتَهى، فالخَبَرُ مُتَوَجِّهٌ إلَيه يَقصِدُه قَصداً حتّى يَحِلَّ عِندَه.

والفِعلُ ماضٍ، فأوثِرَ «أتاكَ» على «يَأتيك»، والحَديثُ بِذلك مَوجودٌ آتٍ غَيرُ مَوعودٍ مُنتَظَر، كأنَّه قد طُرِقَ بابُ السّامِعِ بِه. وهذا المَجيءُ المُتَحَقِّقُ يَزيدُ السُّؤالَ ثِقَلاً، والمَعنى بِه «هل بَلَغَكَ بِالفِعل» دونَ «هل سَيَبلُغُك»، فالأمرُ حاضِرٌ بَينَ يَدَيه.

«حَديثُ الغاشِيَة»: خَبَرٌ جَديدٌ عن واقِعةٍ تَغشى

و«الحَديثُ» من ح-د-ث، وهو ما حَدَثَ فكانَ بَعدَ أن لم يَكُن، وهو كذلك الخَبَرُ المَنقول، فيَجمَعُ مَعنَيَين: وُقوعَ الأمرِ ونَقلَ خَبَرِه. والمَقصودُ بِـ«حَديثُ الغاشِية» الخَبَرُ الجَديدُ النّازِلُ عن واقِعةٍ تَحدُث، يُتَلَقّى كأنَّه طارِئٌ على السّامِعِ لم يَألَفْه.

و«الغاشِية» من غ-ش-ي، ومَعناه ما يَغشى فيَستُرُ ويَعُمُّ حتّى لا يُفلِتَ مِنه شَيء، والغِشاءُ غِطاءٌ يُحيط، والغاشِيةُ هُنا واقِعةٌ تَغشى الخَلقَ غَشيةً عامّةً لا يَنجو مِنها مُتَوارٍ. وقد سُمِّيَت بِفِعلِها، وهو أنَّها تَغُمُّ وتَستَوعِب، ولم تُسَمَّ بِزَمانٍ ولا مَكان. والسّورةُ بَعدَ هذا تَنقَسِمُ إلى وَجهَين: وُجوهٌ يَومَئِذٍ خاشِعةٌ عامِلةٌ ناصِبة، ووُجوهٌ ناعِمةٌ راضِية، فالغاشِيةُ تَغشى الجَميعَ ثُمَّ يَفتَرِقونَ تَحتَها.


حَصيلة

تَفتَتِحُ السّورةُ بِسُؤالٍ يُنَبِّهُ ولا يَستَخبِر: «هل أتاك»، فيَجعَلُ السّامِعَ طَرَفاً قَبلَ أن يَسمَعَ المَتن. والفِعلُ «أتاكَ» من أ-ت-ي، وهو انطِلاقٌ يَسري ثُمَّ يُلاقي مَحَلَّه، ومَحَلُّه هنا المُخاطَبُ نَفسُه، ومُضِيُّه يَدُلُّ على خَبَرٍ حاضِرٍ غَيرِ مَوعودٍ بَعيد. و«حَديثُ الغاشِية» خَبَرٌ جَديدٌ من ح-د-ث عن واقِعةٍ تَغشى، من غ-ش-ي، أي تَستُرُ وتَعُمُّ حتّى لا يُفلِتَ مِنها أحَد. وبِذلك تَفتَحُ الآيةُ بابَ السّورةِ على شَيءٍ عامٍّ مُحيطٍ آتٍ، تُسَمّيه بِفِعلِه لا بِزَمانِه، وتُوَجِّهُه إلى السّامِعِ تَوجيهاً يَجعَلُه مَعنِيّاً بِه.