الغاشية · الآية 20

﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ

«وَإِلَى الْأَرْضِ»: نَظَرٌ يُوَجَّهُ نَحوَ ما تَحتَ القَدَم

تَأتي «إلى» لِتُوَجِّهَ النَّظَرَ وُجهةً بَعدَ وُجهة، فالنَّظَرُ الذي كانَ مَرفوعاً إلى ما عَلا يُحَطُّ هُنا إلى ما تَحتَ القَدَم. والأرضُ من أ-ر-ض، ومَعناها قاعِدةٌ مُؤَكَّدةُ الحُضورِ يَثقُلُ عَليها ما يَجري من حَياة، فهي قَرارٌ يَستَقِرُّ عَليه الواقِف، غَيرُ بُقعةٍ عابِرة. والوُجهةُ تَنقُلُ المُتَأَمِّلَ من البَعيدِ المَرفوعِ إلى القَريبِ المَبسوطِ الذي لا يَنفَكُّ عَنه.

وجاءَتِ الأرضُ هُنا آخِرَ المَنظوراتِ بَعدَ ما رُفِعَ ونُصِبَ، فاكتَمَلَ المَشهَدُ من فَوقُ إلى تَحت. وكما وُجِّهَ النَّظَرُ قَبلُ إلى ما خُلِقَ وإلى ما رُفِعَ وإلى ما نُصِبَ، يُوَجَّهُ الآنَ إلى ما بُسِطَ قَراراً، والدَّعوةُ واحِدة، وهي النَّظَرُ في «كَيف» إلى جانِبِ «ماذا».

«كَيْفَ»: سُؤالُ الهَيئةِ لا سُؤالُ الوُجود

و«كَيف» يُسأَلُ بِها على أيِّ هَيئةٍ كانَت الأرض، دونَ السُّؤالِ هَل كانَت أم لم تَكُن. فالسُّؤالُ هُنا يَستَدعي التَّأَمُّلَ في صِفَةِ بَسطِها، على أيِّ وَجهٍ سُوِّيَت حتى صارَت قَراراً يُمشى عَليه، ولا يُنكِرُ الأرضَ ولا يَطلُبُ إثباتَها. فالكافُ تَكتُمُ والفاءُ تَشُقُّ، والياءُ بَينَهُما مَدٌّ يَمُدُّ الطَّلَبَ من المَكتومِ إلى شَقِّه، فيَجتَمِعُ السُّؤالُ في هَيئةٍ تَنفُذُ إلى صورةِ الشَّيءِ دونَ أصلِ كَونِه.

وهذا التَّوجيهُ بِـ«كَيف» يَفتَحُ بابَ النَّظَرِ ولا يُغلِقُه على جَوابٍ واحِد، ويُدعى المُتَأَمِّلُ أن يُقَلِّبَ الهَيئةَ، فيَرى البَسطَ الذي تَهَيَّأَ بِه القَرارُ لِلسُّكنى والمَشي والحَرث. والسُّؤالُ نَفسُه دَعوةٌ إلى الإصغاء، وليسَ امتِحاناً يُطلَبُ جَوابُه نَصّاً.

«سُطِحَتْ»: بَسطٌ ثَقيلٌ يُسَوّى قَراراً

وأصلُ س-ط-ح امتِدادٌ يَنبَسِطُ ثَقيلاً فيُسَوّى وَجهاً مُستَوِياً يُمَدُّ عَليه، ومِنه السَّطحُ لِأعلى البِناءِ المُسَوّى الذي يُمشى عَليه، و«سَطَحَ الشَّيءَ» إذا بَسَطَه ومَدَّه على وَجهِ الأرض، والمِسطَحُ لِما يُبسَطُ عَليه التَّمرُ ونَحوُه لِيُهَيَّأ. فالسَّطحُ في الجِذرِ بَسطٌ، وهو مَعَ ذلك تَسويةُ وَجهٍ مَمدودٍ يُهَيَّأُ لِما يُوضَعُ عَليه، فلا يَبقى بَسطاً خالِياً.

وبِناءُ الفِعلِ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه في «سُطِحَت» يَجعَلُ الأرضَ مَفعولةً مُسَوّاةً، غَيرَ فاعِلةٍ تَبسُطُ نَفسَها، فهي وَجهٌ هُيِّئَ ومُدَّ لِغايةٍ بَعدَ يَدٍ سَوَّت. فالأرضُ المَنظورُ إليها بِـ«كَيف» صارَت بِهذا الفِعلِ شاهِداً على تَهيِئةٍ سابِقة، وقَراراً مَبسوطاً تَحتَ القَدَمِ، مُسَوّى لِيَحمِلَ ما يَجري عَليه من حَياة.


حَصيلة

تُوَجِّهُ الآيةُ النَّظَرَ آخِرَ المَنظوراتِ إلى ما تَحتَ القَدَم: «وإلى الأرضِ كَيف سُطِحَت». فـ«إلى» تَحُطُّ النَّظَرَ من المَرفوعِ إلى القَريب، والأرضُ من أ-ر-ض قاعِدةٌ مُؤَكَّدةٌ يَثقُلُ عَليها ما يَجري من حَياة. و«كَيف» سُؤالُ هَيئةٍ دونَ وُجود: على أيِّ وَجهٍ سُوِّيَت، لا هَل كانَت. والجِذرُ س-ط-ح امتِدادٌ يَنبَسِطُ ثَقيلاً فيُسَوّى وَجهاً مَمدوداً يُهَيَّأُ لِما يُوضَعُ عَليه، وبِناءُ «سُطِحَت» لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه يَجعَلُ الأرضَ مُسَوّاةً بِيَدٍ سابِقة. وبِذلك تَختِمُ الآيةُ سِلسِلةَ النَّظَرِ مِن فَوقُ إلى تَحتَ بِقَرارٍ مَبسوطٍ مُهَيَّأٍ، وتَدعو إلى النَّظَرِ في الهَيئةِ التي صارَت بِها الأرضُ مَوضِعَ سُكنى.