الغاشية · الآية 6

﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ

«لَيسَ لَهُم»: نَفيٌ يَقطَعُ ثُمَّ يَستَثني

تَفتَتِحُ الآيةُ بِنَفيٍ تامّ: «لَيسَ لَهُم طَعام». لا يُقالُ إنَّ طَعامَهم قَليلٌ أو رَديء، بل يُرفَعُ أصلُ الطَّعامِ عَنهم رَفعاً، فلا يَبقى في الكَفِّ شَيءٌ يُسَمّى طَعاماً. ثُمَّ تَأتي «إلّا» فتَستَثني، لا لِتُعيدَ ما نُفي، بل لِتَضَعَ في مَوضِعِ المَنفيِّ شَيئاً آخَر: «مِن ضَريع». والاستِثناءُ بَعدَ النَّفيِ القاطِعِ يُحَدِّدُ ولا يُوَسِّع، فهو يَسُدُّ كُلَّ بابٍ إلّا باباً واحِداً، ويُبقي السائِرَ أمامَ مَنفَذٍ ضَيِّقٍ لا مَخرَجَ سِواه.

فالعِبارةُ تَبني على حَدَّين: أوَّلُهما رَفعُ الطَّعامِ كُلِّه، وثانيهما حَصرُ ما يُتَناوَلُ في صِنفٍ بِعَينِه. وبَينَ الحَدَّين يَقَعُ مَن لا طَعامَ له إلّا ما لا يُغني. والذي يُصغي إلى السورةِ يَجِدُ هذا مَوصولاً بِما قَبلَه: وُجوهٌ يَومَئِذٍ خاشِعةٌ عامِلةٌ ناصِبة، تُساقُ إلى ما لا يُقيمُ بَدَناً ولا يَرفَعُ نَصَباً.

«طَعامٌ»: ما يُقيمُ البَدَنَ ويُبقي القُوّة

الطَّعامُ من ط-ع-م، وهو ما يُتَناوَلُ فيَنبَسِطُ في البَدَنِ ويُمسِكُ به الحَياة. والطُّعمُ ما تَجِدُه الذائِقَةُ، والمَطعَمُ مَوضِعُ الأكل، والطُّعمةُ ما يُساقُ إلى الجَوفِ لِيَقتاتَ به. فالطَّعامُ في أصلِه ما يَدخُلُ فيَنفَعُ ويَسُدُّ الخَلّة، لا مُجَرَّدَ ما يَملأُ الفَم.

وحينَ يُنفى الطَّعامُ ثُمَّ يُستَثنى «ضَريع»، تَقولُ الآيةُ إنَّ هذا المُستَثنى لَيسَ من جِنسِ ما يُقيمُ البَدَن. فهو يُؤكَلُ ولا يُطعِم، يُتَناوَلُ ولا يَسُدُّ خَلّة. الاسمُ «طَعام» يَبقى مَرفوعاً عَنه، لأنَّ المَنفيَّ هو الإقامةُ والإغناء، وما بَقِيَ إنَّما هو صورةُ الأكلِ بِلا ثَمَرَتِه.

«ضَريعٍ»: ما ضَمَّ الذُّلَّ وجَرى به

«ضَريع» من ض-ر-ع: ضَمٌّ ثَقيلٌ يَجري ويَلتَئِم. ومنه الضَّراعةُ ذِلّةُ مَن يَستَكين، والتَّضَرُّعُ خُضوعُ مَن يَطلُبُ وقد قَلَّت حيلَتُه، والضَّرعُ مَوضِعٌ يَتَدَلّى ضَعيفاً. فالأصلُ يَدورُ على هَيئةِ مَن لانَ تَحتَ الثِّقَلِ فلَصِقَ بِالأرضِ ولم يَنتَصِب.

فالضَّريعُ، نَبتاً كانَ أو طَعاماً، يَحمِلُ هذه الهَيئةَ في اسمِه: شَيءٌ مُلتَصِقٌ بِالأرضِ ذَليلٌ، لا قِوامَ فيه ولا غَناء. واختيارُ هذا الاسمِ دونَ سِواه يُطابِقُ حالَ مَن يَتَناوَلُه: وُجوهٌ خاشِعةٌ عامِلةٌ ناصِبة، يَلقاها طَعامٌ على صورَتِها، ذَليلٌ كذُلِّها، لا يَرفَعُ نَصَباً ولا يَدفَعُ جوعاً.


حَصيلة

تَنفي الآيةُ الطَّعامَ نَفياً قاطِعاً «لَيسَ لَهُم طَعام»، ثُمَّ تَستَثني بِـ«إلّا» صِنفاً واحِداً يَسُدُّ كُلَّ بابٍ سِواه: «مِن ضَريع». والطَّعامُ من ط-ع-م ما يَنبَسِطُ في البَدَنِ فيُقيمُه ويَسُدُّ الخَلّة، فإذا نُفِيَ ثُمَّ اُستُثنِيَ الضَّريعُ، عُلِمَ أنَّ المُستَثنى لَيسَ من جِنسِ ما يُطعِم: يُؤكَلُ ولا يُغني. والضَّريعُ من ض-ر-ع، ضَمٌّ ثَقيلٌ يَجري ويَلتَئِم، ومنه التَّضَرُّعُ والضَّراعةُ هَيئةُ الذُّلِّ والاستِكانة. فالاسمُ يَحمِلُ في جِذرِه صورةَ مَن لانَ تَحتَ الثِّقَلِ فلَصِقَ بِالأرض، طَعامٌ على صورةِ آكِليه: وُجوهٌ خاشِعةٌ ناصِبة، يَلقاها قوتٌ ذَليلٌ لا يَرفَعُ نَصَباً ولا يَدفَعُ جوعاً.