الفجر · الآية 30

﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَادْخُلِي جَنَّتِي

«وَادْخُلِي»: أمرٌ بِالوُلوجِ إلى داخِل

والواوُ تَعطِفُ هذا النِّداءَ على ما قَبلَه، فهو آخِرُ ما يُقالُ لِلنَّفسِ بَعدَ أن دُعِيَت إلى الرُّجوعِ وإلى الدُّخولِ في جَماعة. والفِعلُ «ادخُلي» أمرٌ بِالوُلوج، وهو انتِقالٌ من ظاهِرٍ إلى باطِن، ومن خارِجٍ إلى مَأوىً مُحاط. ومَدارُ د-خ-ل على نَفاذٍ يَستَقِرُّ في الجَوف، فالدّاخِلُ يَخرِقُ الحَدَّ ثُمَّ يَثبُتُ وَراءَه، ولا يَقِفُ عِندَ العَتَبة، ويَصيرُ من أهلِ الدّاخِل.

والصّيغةُ مُؤَنَّثةٌ مُفرَدة، فالخِطابُ لِنَفسٍ بِعَينِها لا لِجَمع، والدُّخولُ هنا فِعلٌ شَخصِيٌّ يَقَعُ بِها وَحدَها، تُؤمَرُ بِه فتَلِجُ بِنَفسِها. وهذا الأمرُ تَتويجٌ لِما سَبَق، فقد اطمَأنَّتِ النَّفسُ، ثُمَّ أُمِرَت بِالرُّجوعِ راضِيةً مَرضِيّة، ثُمَّ بِالدُّخولِ في عِباد، والآنَ تُؤمَرُ بِالوُلوجِ الأخيرِ إلى المُستَقَرّ.

«جَنَّتي»: مَوضِعٌ يَستُرُ ويُؤوي

وأصلُ ج-ن-ن السَّترُ والإحاطةُ في حَيِّز، فالجَنّةُ أرضٌ كَثُفَ نَباتُها حتّى سَتَرَ ما تَحتَه، والجَنينُ مَستورٌ في بَطنٍ يُحيطُ بِه، والمِجَنُّ تُرسٌ يَستُرُ حامِلَه، والجُنّةُ ما اتُّقِيَ بِه. فالجَنّةُ في هذا الأصلِ مَوضِعٌ مُغَطّىً مُحاط، يَأوي إلَيه الدّاخِلُ فيَكونُ في سِترٍ وأمان، لا في عَراءٍ مَكشوف.

وإضافَتُها إلى ضَميرِ المُتَكَلِّمِ في «جَنَّتي» تَجعَلُها مَنسوبةً إلى صاحِبِ النِّداءِ نَفسِه، فهي مَأوىً يَملِكُه ويَدعو إلَيه. والنَّفسُ التي خوطِبَت بِالاطمِئنانِ تُدعى إلى سِترٍ يُناسِبُ حالَها، فمَن سَكَنَ قَلبُه يُؤوى إلى مَوضِعٍ ساكِنٍ مَحفوظ. والدُّخولُ نَفاذٌ يَستَقِرّ، والجَنّةُ سِترٌ يُحيط، فيَلتَقي الفِعلُ والمَوضِعُ على مَعنىً واحِد، وهو انتِهاءُ السَّيرِ إلى مَأوىً مُغلَقٍ على ساكِنِه.


حَصيلة

تُختَمُ المُناداةُ بِأمرٍ مَوصولٍ بِالواوِ بِما قَبلَه، هو «ادخُلي» إلى «جَنَّتي». والفِعلُ من د-خ-ل، وهو نَفاذٌ يَستَقِرُّ في الجَوف، ووُلوجٌ من ظاهِرٍ إلى باطِنٍ يَثبُتُ فيه الدّاخِلُ من أهلِ الدّاخِل. والمَوضِعُ من ج-ن-ن، ومَعناه سِترٌ وإحاطةٌ في حَيِّز، فالجَنّةُ مَأوىً مُغَطّىً يَأوي إلَيه الواجِدُ فيَكونُ في حِفظٍ لا في عَراء. والإضافةُ في «جَنَّتي» تَنسُبُ المَأوى إلى صاحِبِ النِّداء، والصّيغةُ المُفرَدةُ المُؤَنَّثةُ تَجعَلُ الخِطابَ لِنَفسٍ بِعَينِها. فالآيةُ تَجمَعُ نَفاذاً يَستَقِرُّ وسِتراً يُحيط، فتُنهي مَسيرَ النَّفسِ المُطمَئِنّةِ إلى مُستَقَرٍّ مَحفوظٍ مَنسوبٍ إلى مَن دَعاها إلَيه.