الفجر · الآية 29

﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَادْخُلِي فِي عِبَادِي

«فَادخُلي»: فاءٌ تَرُدُّ الأمرَ على ما قَبلَه

الفاءُ في صَدرِ الآيةِ تَصِلُ هذا الأمرَ بِما تَقَدَّمَه وَصلَ التَّرتيبِ والتَّعقيب، فقد سَبَقَ نِداءٌ لِلنَّفس، ثُمَّ رُجوعٌ أُمِرَت بِه راضِيةً مَرضِيّة، ثُمَّ جاءَ الجَوابُ «فادخُلي». فالدُّخولُ ثَمَرةُ الرُّجوعِ لا ابتِداءُ كَلامٍ مُنقَطِع، والخِطابُ كُلُّه مُؤَنَّثٌ مَوصولٌ بِالنَّفسِ المُطمَئِنّة.

وصيغةُ الأمرِ هنا لينٌ لا قَهرَ فيه، و«ادخُلي» دَعوةٌ إلى مَوضِع، لا سَوقٌ إلَيه، فالذي يُؤمَرُ بِالدُّخولِ يُفتَحُ لَه، والنَّفسُ التي بَلَغَت طُمَأنينَتَها يُؤذَنُ لَها أن تَلِجَ حَيثُ تَستَقِرّ.

«ادخُلي»: وُلوجٌ يَنفُذُ إلى الداخِل

ومَدارُ د-خ-ل على نُفوذِ الشَّيءِ في باطِنِ غَيرِه حتّى يَصيرَ مِنه، فالدُّخولُ تَجاوُزُ الحَدِّ الخارِجِيِّ إلى ما وَراءَه، والدَّخيلُ ما نَفَذَ في الأصلِ فالتَحَمَ بِه، والمَدخَلُ المَوضِعُ الذي مِنه يُلَجُ. فالدُّخولُ صَيرورةٌ في الدّاخِلِ والتِئامٌ بِما دُخِلَ فيه، وهو غَيرُ المُجاوَرةِ من خارِج.

وأمرُ النَّفسِ بِالدُّخولِ يَجعَلُها داخِلةً لا واقِفةً على العَتَبة، تَنفُذُ إلى حَيثُ تَنتَمي فتَلتَئِمُ بِه. والذي تُؤمَرُ بِالدُّخولِ فيه صِفةٌ تَدخُلُ في زُمرَتِها، زِيادةً على مَكانٍ تَحُلُّه، إذ جاءَ «في عِبادي» وعُدِلَ عن ذِكرِ مَكانٍ أو دار.

«في عِبادي»: انتِسابٌ إلى زُمرَةِ العُبودِيّة

و«في» حَرفٌ يُفيدُ الاحتِواءَ والاندِراجَ في الجُملة، فالنَّفسُ تُؤمَرُ أن تَدخُلَ في عِدادِ قَومٍ لا أن تَنزِلَ في بُقعة. والعِبادُ من ع-ب-د، وهُم مَن ذَلَّ وانقادَ لِمالِكِه فمَضى على طاعَتِه طَريقاً مُذَلَّلاً مُمَهَّداً، فالعُبودِيّةُ خُضوعٌ مُنقاد، والعِبادُ جَماعةُ مَن تَمَّ لَهُم هذا الانقِياد.

وإضافَتُهُم إلى المُتَكَلِّمِ في «عِبادي» تَشريفٌ بِالنِّسبة، فقد ضَمَّهُم إلى نَفسِه، وأوثِرَ ذلك على «في العِباد» مُطلَقاً. والدُّخولُ في «عِبادي» دُخولٌ في جُملةٍ مَنسوبةٍ إلَيه، تُختَمُ بِها رِحلةُ النَّفسِ التي أُمِرَت بِالرُّجوعِ راضِيةً، ومُكافَأَتُها انتِسابٌ تَدخُلُ فيه، دونَ مَوضِعٍ تَملِكُه.


حَصيلة

تَرُدُّ الفاءُ الأمرَ على ما سَبَقَه، وهو نِداءُ النَّفسِ ثُمَّ رُجوعُها راضِيةً، فيَأتي «فادخُلي» جَواباً مَوصولاً. والدُّخولُ من د-خ-ل، أي نُفوذٌ إلى الباطِنِ والتِئامٌ بِما دُخِلَ فيه، لا وُقوفٌ على العَتَبة. و«في» احتِواءٌ واندِراجٌ في جُملة، فالمَأمورُ بِه الدُّخولُ في زُمرةٍ لا النُّزولُ في بُقعة. والعِبادُ من ع-ب-د، وهُم جَماعةُ مَن ذَلَّ وانقادَ فمَضى على طاعةٍ مُذَلَّلة، وإضافَتُهُم في «عِبادي» تَشريفٌ بِالنِّسبة. فالآيةُ تَختِمُ رِحلةَ النَّفسِ المُطمَئِنّةِ بِانتِسابٍ تَدخُلُ فيه فتَلتَئِمُ بِزُمرةِ العُبودِيّةِ المَنسوبةِ إلى مالِكِها.