البلد · الآية 11

﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ

«فَلَا»: عَطفٌ يَنفي بَعدَ ما عُدِّد

والفاءُ عاطِفةٌ هنا على ما تَقَدَّمَ من تَعديدِ النِّعَمِ والقُدرَة: عَينانِ ولِسانٌ وشَفَتانِ، وهِدايةٌ إلى نَجدَين. وبَعدَ أن أُعطِيَ الإنسانُ آلةَ البَصَرِ والنُّطقِ والاختيار، جاءَت «فَلا» لِتُقَرِّرَ أنَّه مع ذلك لم يَفعَل، والنَّفيُ بِـ«لا» في سياقِ المُضيِّ يُفيدُ أنَّ الفِعلَ لم يَقَع أصلاً، لا أنَّه وَقَعَ ثُمَّ بَطَل.

فالعِبارةُ مُعاتَبةٌ لا إخبارٌ مُجَرَّد: قُدِّمَ التَّمكينُ، ثُمَّ أُخبِرَ أنَّ المُمَكَّنَ قَعَدَ عمّا مَكَّنَه له تَمكينُه. ومَن أصغى إلى ما يَلي عَرَفَ أنَّ هذا النَّفيَ غَيرُ مُعَلَّق، فقد تَلاهُ سُؤالٌ يَفتَحُ «العَقَبة» ويُبَيِّنُ ما هي: فَكُّ رَقَبةٍ، أو إطعامٌ في يَومِ مَسغَبة. فالنَّفيُ مَدخَلٌ إلى ما كانَ يَنبَغي أن يُقتَحَم.

«اقْتَحَمَ»: نُفوذٌ يَرمي بِالنَّفسِ في الشِّدّة

والجِذرُ ق-ح-م يَدورُ على وُلوجٍ في أمرٍ شاقٍّ بِشِدّةٍ ودَفعَةٍ واحِدة، فالاقتِحامُ دُخولٌ على هَولٍ بِغَيرِ تَرَوٍّ ولا تَهَيُّب، و«قَحَمَ في الأمرِ» رَمى بِنَفسِه فيه على صُعوبَتِه، و«القُحمةُ» الشِّدّةُ والمَهلَكةُ التي يُتَوَقّى مِثلُها. والصيغةُ هنا «افتَعَلَ» تَزيدُ المَعنى تَكَلُّفاً ومُعالَجة، فهو فِعلٌ يُؤخَذُ بِقُوّةٍ وعَزم، لا يَنالُه القاعِدُ المُتَمَهِّل.

فاقتِحامُ الشَّيءِ أن يُؤتى مِن وَجهِه الصَّعبِ فيُخرَقَ خَرقاً، دونَ أن يُطافَ حَولَه. والذي يَنفي عنه الاقتِحامَ يَنفي عنه هذا الإقدامَ بِعَينِه، إذ لم يَرمِ بِنَفسِه في المَوضِعِ العَسيرِ الذي لا يُجاوَزُ إلّا بِبَذلٍ ومُكابَدة. والإنسانُ الذي وُصِفَ في صَدرِ السورةِ بِأنَّه «في كَبَد» مَخلوقٌ لِلمُعالَجة، فالقُعودُ عن الاقتِحامِ قُعودٌ عمّا خُلِقَ له.

«الْعَقَبَةَ»: مُرتَقىً شاقٌّ يُجاوَزُ بِالصُّعود

والجِذرُ ع-ق-ب يَدورُ على ما يَجيءُ في إثرِ شَيءٍ ويَخلُفُه، فالعَقِبُ مُؤَخَّرُ القَدَمِ الذي يَتلو الخُطوةَ، والعاقِبةُ ما يَؤولُ إليه الأمرُ بَعدَ مَجراه، والتَّعقيبُ إتباعُ الشَّيءِ بِما يَلحَقُه. والعَقَبةُ من هذا: المُرتَقى الصَّعبُ في المُرتَفَعِ يَأتي بَعدَ السَّهلِ فيَقطَعُ المَسير، لا يُجاوَزُ إلّا بِصُعودٍ شاقٍّ خُطوةً في إثرِ خُطوة.

فالعَقَبةُ مَوضِعُ امتِحانٍ في الطَّريق، ومَن بَلَغَها انتَهى السَّهلُ عندَه، ولم يَبقَ إلّا الارتِقاءُ أو النُّكوص. وجَمعُ «اقتَحَمَ» إلى «العَقَبة» يَجعَلُ الصورةَ كامِلة، إذ أوثِرَ أخذُها اقتِحاماً رَمياً بِالنَّفسِ في مَشَقَّتِها، دونَ الاكتِفاءِ بِصُعودِها مُتَدَرِّجاً. والذي لم يَقتَحِمها لم يَختَبِر العاقِبةَ التي تَلي الصُّعود.


حَصيلة

وتَعطِفُ الفاءُ على تَعديدِ النِّعَمِ والقُدرَةِ نَفياً بِـ«لا»: مُكِّنَ الإنسانُ، ثُمَّ لم يَفعَل. و«اقتَحَمَ» من ق-ح-م، وهو نُفوذٌ يَرمي بِالنَّفسِ في الشِّدّةِ بِدَفعَةٍ وعَزم، يُؤخَذُ بِه الأمرُ مِن وَجهِه الصَّعبِ فيُخرَق. و«العَقَبة» من ع-ق-ب، وهي المُرتَقى الشاقُّ يَأتي بَعدَ السَّهلِ فيَقطَعُ المَسير، لا يُجاوَزُ إلّا بِصُعودٍ خُطوةً في إثرِ خُطوة. فالآيةُ تُقَرِّرُ أنَّ المُمَكَّنَ قَعَدَ عن المَوضِعِ العَسيرِ الذي خُلِقَ لِمُعالَجَتِه، عَقَبةٍ تُؤخَذُ اقتِحاماً لا طَوافاً. والنَّفيُ مَدخَلٌ لِما يَلي حينَ يُفتَحُ السُّؤالُ عن العَقَبةِ ويُبَيَّنُ أنّها فَكُّ رَقَبةٍ أو إطعامٌ في يَومِ مَسغَبة.