البلد · الآية 12

﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ

«وَمَا أَدْرَاكَ»: سُؤالٌ يُوقِفُ المُخاطَبَ دونَ الشَّيء

تَأتي الصيغةُ سُؤالاً لا يُنتَظَرُ له جَوابٌ مِن المُخاطَب: «وما أدراكَ؟» أي أيُّ شَيءٍ يُبَلِّغُك كُنهَ هذا فيُدنيه مِن إدراكِك؟ والجَوابُ المُضمَرُ أنَّ ما سَيُذكَرُ أبعَدُ مِن أن يَبلُغَه الظَّنُّ وَحدَه، فلا تُحيطُ بِه النَّفسُ حتّى يُكشَفَ لها. والسُّؤالُ يُقِرُّ فيه أنَّ ما هو آتٍ ثَقيلٌ يَعلو على مَبلَغِه، ولا يَطلُبُ بِه عِلماً عِندَ السامِع.

وهذه الصيغةُ في الكِتابِ مَوصولةٌ بِما يَعظُمُ شَأنُه، فيُمَهَّدُ له بِوَقفةِ السُّؤال، كأنَّ العِبارةَ تَفتَحُ بَيْنَ يَدَيِ المَعنى فُسحةً يَتَهَيَّأُ فيها القَلبُ قَبلَ أن يَنزِلَ التَّفسير، فالمُخاطَبُ يُحبَسُ لَحظةً على عَتَبةِ الأمرِ، ثُمَّ يُفتَحُ له ما هو هذا الأمر.

«الْعَقَبَةُ»: مَصعَدٌ في آخِرِ الطَّريق

والجِذرُ ع-ق-ب يَدورُ على ما يَجيءُ في الأثَرِ خَلفَ الشَّيء: العَقِبُ مُؤَخَّرُ القَدَمِ الذي عَلَيه يَنتَهي الوَطء، والعاقِبةُ ما يَؤولُ إليه الأمرُ في آخِرِه، والتَّعقيبُ مَجيءٌ بَعدَ مَجيء. والعَقَبةُ من هذا الأصلِ: المَصعَدُ الوَعرُ في المُرتَفَعِ يَعتَرِضُ السائِرَ فلا يَبلُغُ ما وَراءَه إلّا بِاقتِحامِه، فهي عُسرٌ مَوضوعٌ في آخِرِ المَسير، يُقاسُ به مَن يَمضي ومَن يَقِف.

والعَقَبةُ مَوضِعٌ يُجاوَزُ بِالصُّعودِ فيه لا بِالنَّظَرِ إليه، وهي كُلفةٌ تُطلَبُ بِالفِعلِ لا بِالأمَل. ولِذلك جاءَت بَعدَ سُؤالٍ يُعَظِّمُها، فالسُّؤالُ يَرفَعُ قَدرَها قَبلَ أن يُسَمّى ما فيها، والاسمُ نَفسُه «العَقَبة» يَحمِلُ في جِذرِه صورةَ المُرتَقى الشَّاقّ الذي لا يُبلَغُ سَهلاً.


حَصيلة

وتَفتَتِحُ الآيةُ بِصيغةِ سُؤالٍ تُوقِفُ المُخاطَبَ دونَ الشَّيء: «وما أدراكَ؟» أيُّ شَيءٍ يُبَلِّغُك كُنهَ هذا؟ والجَوابُ المُضمَرُ أنَّ ما سَيُذكَرُ أعلى مِن مَبلَغِ الظَّنّ. ثُمَّ يُسَمَّى المَعنى: «العَقَبة» من ع-ق-ب، ما يَجيءُ في الأثَرِ خَلفَ الشَّيء، ومِنه المَصعَدُ الوَعرُ الذي يَعتَرِضُ السائِرَ في آخِرِ الطَّريقِ فلا يُجاوَزُ إلّا بِالاقتِحام. فالآيةُ تَرفَعُ قَدرَ هذا المُرتَقى بِالسُّؤالِ أوّلاً، ثُمَّ تَضَعُ اسمَه الذي يَحمِلُ في حُروفِه صورةَ العُسرِ المَطلوبِ صُعودُه، تَمهيداً لِما سَيُفَصَّلُ بَعدُ مِن وَجهِ هذا الاقتِحام.