العلق · الآية 16

﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ

«ناصِيَةٍ»: التَّنكيرُ الذي يُحَقِّر

وكانَت «الناصِيَة» في الآيَةِ السّابِقَةِ مُعَرَّفَةً بِأَل، وهي هُنا تَعودُ نَكِرَة: «ناصِيَةٍ»، والتَّنكيرُ هُنا لِلتَّحقير، لا لِلتَّعميم، وفي العَرَبيَّةِ يُنَكَّرُ ما يُرادُ تَهوينُه، كَما يُعَرَّفُ ما يُرادُ تَفخيمُه. فالكِتابُ يَنزِعُ التَّعريفَ لِيَنزِعَ القيمَة، فهي ناصِيَةٌ، أَيَّةُ ناصِيَةٍ، لا قَدرَ لَها.

وفي هذا تَهديدٌ مُضاعَف، فالأَخذُ مِن ناصِيَةٍ لا قَدرَ لَها، فَوقَ أَنَّه أَخذٌ مِن ناصِيَتِه، فيَجتَمِعُ الذُّلُّ مِن جِهَتَين: مِن أَنَّها أُخِذَت بِالقَهر، ومِن أَنَّها لَيسَت ناصِيَةً تُحتَرَم.

«كاذِبَة»: الكَذِبُ صارَ صِفَةً في الجِسم

واسمُ الفاعِلِ «كاذِبَة» يَدُلُّ على الكَذِبِ صِفَةً ثابِتَة، فهو سِمَةٌ لا فِعلٌ عابِر. والنّاصِيَةُ التي تَكذِبُ هي الإنسانُ الذي صارَ الكَذِبُ مِنه عَلامَةً تَتَدَلّى مِن جَبهَتِه، حَتّى إنَّ شَعرَه يُسَمّى كاذِباً.

والجِذرُ ك-ذ-ب نَفسُه ذُكِرَ في الآيَةِ 13 («كَذَّب»)، وكانَ هُناكَ فِعلاً، فصارَ هُنا صِفَة، ومَن مارَسَ الفِعلَ مِراراً صارَ صاحِبَ صِفَة، والكِتابُ يَكشِفُ هذا التَّحَوُّل: ما يَفعَلُه الإنسانُ يُحَوِّلُه. وتُذكَرُ النّاصِيَةُ هُنا لأَنَّها أَقرَبُ ما في الإنسانِ إلى دِماغِه ومَوضِعِ القَرار، فما يَتَّخِذُه القَرارُ يَتَجَلّى في صورَتِها.

«خاطِئَة»: الخَطأُ في الفِعل

وأَصلُ خ-ط-أ الانحِرافُ عَن المَقصِد، أي الإصابَةُ في غَيرِ المُرادِ إصابَتُه. والخاطِئُ في القُرآنِ مَن قَصَدَ الفِعلَ السَّيِّئَ بِنَفسِه، بِخِلافِ «المُخطِئ» الذي ضَلَّ بِغَيرِ قَصد. والوَصفُ بِـ«خاطِئَة» يَدُلُّ على فِعلٍ مَقصودٍ في غَيرِ مَوضِعِه، فهو قَصدٌ في غَيرِ الجِهَة، ولَيسَ انحِرافاً عَفوِيّاً.

والصِّفَتانِ مَعاً تُغَطِّيانِ مَدارَ الإثم: كَذِبٌ في القَول، وخَطَأٌ في الفِعل، أي اللِّسانُ والأَركان، ولَيسَ في الإنسانِ ما يَتَجاوَزُ هاتَينِ الجِهَتَين. ومَن صارَ كاذِباً خاطِئاً صارَت ناصِيَتُه نَفسُها كاذِبَةً خاطِئَة، فالجِسمُ يَلبَسُ ما اعتادَه القَلب.


حَصيلة

في هذه الآيَةِ وَصفُ النّاصِيَةِ المُهَدَّدِ بِالأَخذِ مِنها. فـ«ناصِيَةٍ» (ن-ص-و) تَعودُ نَكِرَةً بَعدَ أَن كانَت مُعَرَّفَةً في الآيَةِ السّابِقَة، والتَّنكيرُ لِلتَّحقيرِ لا لِلتَّعميم، فهي ناصِيَةٌ لا قَدرَ لَها. ثُمَّ تَنزِلُ عَلَيها صِفَتانِ مُتَكامِلَتانِ كَأَنَّها فاعِلَةٌ بِنَفسِها: «كاذِبَةٍ» (ك-ذ-ب)، وهو اسمُ فاعِلٍ يَدُلُّ على الكَذِبِ صِفَةً ثابِتَة، و«خاطِئَةٍ» (خ-ط-أ)، ويَدُلُّ على الانحِرافِ المَقصودِ لا العارِض. والجِذرُ ك-ذ-ب ذُكِرَ في الآيَةِ 13 فِعلاً، وصارَ هُنا صِفَة، فما يَفعَلُه الإنسانُ يُحَوِّلُه. والوَصفانِ مَعاً يُغَطِّيانِ مَدارَ الإثم: كَذِبٌ في القَولِ وخَطَأٌ في الفِعل. ومِن اللّافِتِ في الإيقاعِ أَنَّ «ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ» ثَلاثُ كَلِماتٍ بِالوَزنِ نَفسِه، في جَرسٍ يُحاكي وَقعَ الأَخذِ الذي أُنذِرَ بِه.