العلق · الآية 17

﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ

«فَليَدعُ»: فاءُ التَّفريعِ ولامُ الأَمر

والفاءُ تَفريعٌ على ما قَبلَها: النّاصِيَةُ كاذِبَةٌ خاطِئَة، فلْيَدعُ نادِيَه، وكَأَنَّ الكِتابَ يَقول: قَد بَلَغَتِ النّاصِيَةُ ما بَلَغَت مِن كَذِبٍ وخَطَأ، فلْنَتَحَدَّ ما قَد يَكونُ سَنَداً لَها، فلْيَدعُ. ولامُ الأَمرِ في «لِيَدعُ» لامُ التَّحَدّي، لا الأَمرِ الإلزامِيّ، كقَولِك لِخَصمِك: أَكمِل ما عِندَك.

والفِعلُ مِن د-ع-و، ومَعناه نِداءُ مَن يَستَجيب، فالذي يَدعو يَتَوَقَّعُ مِن المَدعُوِّ أَن يَأتي. والنّاهي مَدعُوٌّ هُنا إلى أَن يَدعُوَ، أي أَن يَستَنجِدَ بِكُلِّ مَن قَد يَنصُرُه، والكِتابُ يَفتَحُ لَه البابَ على مِصراعَيه.

«ناديَه»: المَجلِسُ والأَهل

وأَصلُ ن-د-و المَجلِسُ والاجتِماع، والنّادي مَوضِعٌ يَجتَمِعُ فيه القَومُ لِيَتَناصَروا ويَتَدارَسوا أَمرَهُم. والآيَةُ تُسَمّيه، والمُرادُ مَجلِسُ المُكَذِّبِ المُتَوَلّي بِكُلِّ مَن يَجتَمِعُ فيه: حُلَفاؤُه وأَنصارُه وأَصحابُ النُّفوذِ مَعَه.

وفي إضافَةِ «نادِيَه» إلى ضَميرِه دَلالَةٌ على أَنَّه يَملِكُه، فهو نادِيه هو، وأَهلُه هو، وكَأَنَّ الكِتابَ يَقولُ لَه: ها هو ما تَملِكُه، وها هي قُوَّتُك، وها هُم رِجالُك، فادعُهُم كُلَّهُم، ثُمَّ سَتَرى ماذا يَأتي.

المُقابَلَةُ مَعَ الآيَةِ التَّاليَة: نِداءانِ مُتَقابِلان

والكِتابُ يُهَيِّئُ التَّقابُلَ الذي في الآيَةِ التّالِيَة: فَليَدعُ ناديَه، سَنَدعُ الزَّبانيَة، فالفِعلانِ مِن جِذرٍ واحِدٍ (د-ع-و)، يَدعو الإنسانُ ويَدعو الرَّبّ، والمَدعُوّانِ مُتَناقِضان: نادٍ يَدعوه الإنسان، وزَبانِيَةٌ يَدعوها الرَّبّ، وإذا التَقى الفَريقانِ فالنَّتيجَةُ مَحسومَة.

وفي هذا دَرسٌ لِلقارِئ، فقُوَّةُ ما يَملِكُه الإنسانُ في هذه الدُّنيا تَتَلاشى أَمامَ ما يَملِكُه الرَّبّ: النّادي مَجموعَةُ بَشَرٍ مَهما عَظُموا، والزَّبانِيَةُ كائِناتٌ مَخلوقَةٌ بِأَمرٍ مُباشِر، صِفَتُهُم القَهرُ والشِّدَّة، ومَن لَم يَنتَهِ مِن نَهيِه يُسَلَّمُ مِن نادِيه إلى الزَّبانِيَة.


حَصيلة

أَمرٌ على وَجهِ التَّحَدّي، فلامُ الأَمرِ في «فَليَدعُ» (د-ع-و) في سِياقِ التَّحَدّي لا الإلزام، ومَعناه: أَكمِل ما عِندَك. والفاءُ تَفريعٌ على ما سَبَق، فما دامَتِ النّاصِيَةُ كاذِبَةً خاطِئَةً فلْيَأتِ بِكُلِّ ما يَملِك. و«نادِيَه» (ن-د-و) المَجلِسُ الذي يَجتَمِعُ فيه القَومُ لِيَتَناصَروا: حُلَفاؤُه وأَصحابُه ومَن في يَدِه مِن نُفوذ، والإضافَةُ إلى ضَميرِه توحي بِأَنَّه يَملِكُه، فيُقالُ لَه: ادعُه. وفي هذا التَّحَدّي رَحمَةٌ مَطوِيَّة، فالأَخذُ بِالنّاصِيَةِ لَم يَقَعْ بَعد، والفُرصَةُ قائِمَة. والآيَةُ التّالِيَةُ سَتُجيب: «سَنَدعُ الزَّبانِيَة»، فيَتَقابَلُ النِّداءانِ والميزانُ بَيِّن.