العلق · الآية 18

﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ

«سَنَدعُ»: نونُ العَظمَةِ في مُقابَلَةِ ضَميرِ الفَرد

الفِعلُ «نَدعُ» بِنونِ العَظمَة. واحدٌ يَتَكَلَّمُ بِصيغَةِ الكَثرَة. والمَدعوُّ كَذَلكَ كَثرَة: «الزَّبانيَة» اسمُ جَمعٍ يَدُلُّ على مَجموعَة. فَالكِتابُ يَضَعُ في مُقابَلَةِ نِداءِ الفَردِ نِداءَ المُتَكَلِّمِ بِصيغَةِ الكَثرَةِ والمَدعوِّ بِصيغَةِ الكَثرَة. الميزانُ في النَّحوِ نَفسِه يَنقَلِب.

والسينُ في «سَنَدعُ» سينُ التَّسويفِ القَريب. لَيسَت «سَوفَ نَدعو» التي تُؤذِنُ بِبُعدٍ في الزَّمَن، بل «سَنَدعو» التي تَجعَلُ الفِعلَ على وَشكِ الوُقوع. وَكَأَنَّ الكِتابَ يَقول: لا تَتَخَيَّل أَنَّ الجَوابَ بَعيد. الجَوابُ قَريب.

«الزَّبانيَة»: الدَّفعُ بِشِدَّة

الجَذرُ ز-ب-ن في كَلامِ العَرَبِ يَدُلُّ على الدَّفعِ بِشِدَّة. الناقَةُ الزَّبونُ هي التي تَدفَعُ الحالِبَ بِرِجلِها. والزَّبانيَةُ ـ في عُرفِ العَرَبِ ـ هُمُ الشُّرَطُ الذينَ يَدفَعونَ الناسَ بِشِدَّةٍ في القَتل. ثُمَّ نُقِلَ الاسمُ إلى المَلائكَةِ المُوَكَّلينَ بِالعَذابِ في النَّار. لِأَنَّ مِهنَتَهم نَفسَها مِهنَةُ دَفعٍ شَديد.

وَلَيسَ في الاسمِ ما يُوحي بِالحِوارِ والمُجادَلَة. الزَّبانيَةُ لا يُحاجِجون. يَأتونَ ويَدفَعون. وفي هذا تَهديدٌ مَوقوع: مَن لَم يَستَجِب لِنِداءِ المُعَلِّمِ في الآياتِ الخَمسِ الأُولى، يُسَلَّمُ إلى نِداءٍ لا يَستَدعي رَأيَه.

المُقابَلَةُ المُكتَمِلَة بَينَ النِّداءَين

الآيَةُ السابِعَةَ عَشرَة: فَليَدعُ ناديَه. الآيَةُ الثَّامِنَةَ عَشرَة: سَنَدعُ الزَّبانيَة. الفِعلُ نَفسُه (د-ع-و)، لَكِنَّ المَدعوَّ مُختَلِف، والداعيَ مُختَلِف، والصَّلَةُ بَينَ الداعي والمَدعوِّ مُختَلِفَة.

الإنسانُ يَدعو ناديَه: مَجموعَةٌ من بَشَرٍ تَجمَعُها رَوابِطُ القَبيلَةِ والمَصلَحَة، قَد يَأتونَ وقَد لا يَأتون، وقَد يَنفَعونَ وقَد لا يَنفَعون. وَالرَّبُّ يَدعو الزَّبانيَة: كائناتٌ مَخلوقَةٌ بِأَمرٍ مُباشِر، صِفَتُهم القَهرُ والشِّدَّة، لا يَتَأَخَّرونَ ولا يَتَناقَشون. الميزانُ في النِّداءَين مَحسومٌ مُنذُ البِدايَة. ولِذَلكَ كانَ تَحَدّي الآيَةِ السابِقَةِ تَحَدّياً يَكشِفُ ضَعفَ المُتَحَدّى لا قُوَّتَه.


حَصيلة

الجَوابُ على نِداءِ النَّاهي: «سَنَدعُ الزَّبانيَة». الفِعلُ نَفسُه (د-ع-و) يَتَقابَلُ بَينَ الآيَتَين: الإنسانُ يَدعو ناديَه والرَّبُّ يَدعو زَبانِيَتَه. «سَنَدعُ» بِنونِ العَظمَةِ يَقابِلُ ناديَه بِضَميرِ الفَرد، وجَمعُ «الزَّبانيَة» (ز-ب-ن) يَقابِلُ ناديَه من البَشَر. الزَّبانيَةُ في جَذرِهم دَفعٌ شَديد: لا يُحاوِرون ولا يَنتَظِرون، يَدفَعون. والسينُ في «سَنَدعُ» للقَريبِ لا البَعيد: الوَعيدُ على بُعدِ خُطوَة. والميزانُ بَيِّن منذُ البِداية: نِداءُ إنسانٍ لِبَشَرٍ مَهما عَظَم في مُقابِلِ نِداءٍ إلهيٍّ لِمَلائكَةٍ صِفَتُهم القَهرُ والشِّدَّة. مَن لَم يَستَجِب لِنِداءِ المُعَلِّمِ الرَّحيمِ في الآياتِ الخَمسِ الأُولى، يُسَلَّمُ إلى نِداءٍ لا يَستَدعي رَأيَه.