العلق · الآية 3

﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ

تَكرارُ «اقرأ»: الأَمرُ يُعاد، والخَوفُ يُسَكَّن

يَتَكَرَّرُ الفِعلُ في النَّصِّ نَفسِه، ولو قُرِئَ الأَمرُ تَأكيداً مُجَرَّداً لَكانَتِ الكَلِمَةُ الثانيةُ زائدَة، غَيرَ أنَّ التَّكرارَ يَعمَلُ في المُخاطَبِ المُتَهَيِّب، فقد قِيلَ «اقرأ» ثُمَّ أُعيدَت عَلَيه: اِقرأ. وكَأَنَّ التَّكرارَ نَفسَه جُزءٌ من المَعنى، فلا مَفَرَّ من الفِعلِ، ولا خَوفَ مَعَ القائلِ به.

وَتَكرارُ الأَمرِ مَعَ تَغييرِ الجَوارِّ أَدَبٌ في الكِتاب، ففي المَرَّةِ الأُولى أُلصِقَ الفِعلُ بِاسمِ الرَّبِّ، وفي المَرَّةِ الثانيَةِ ضُمَّ إلَيهِ خَبَرٌ عن صِفَةِ الرَّبّ. وهذا التَّوسيعُ يَفعَلُ في القارئِ ما يَفعَلُه التَّكرارُ في المُتَهَيِّبِ المُتَرَدِّد، فيَأمَنُ شَيئاً فَشَيئاً.

«وَرَبُّكَ الأَكرَم»: المَعِيَّةُ تَسبِقُ الأَمر

والواوُ في «وَرَبُّك» واوُ الحال أو واوُ الاستِئنافِ المُتَّصِل، تَجعَلُ ما بَعدَها صورَةً مُلازِمَةً لِما قَبلَها، والمَعنى: اقرأ، والحالُ أَنَّ رَبَّكَ هو الأَكرَم، فالفِعلُ يَقَعُ في حِضنِ هذه الصِّفَة، وليسَ لِلمُخاطَبِ أَن يَخاف ما دامَ الفاعِلُ مَعَه هو الأَكرَم.

والاختيارُ بَينَ «الكَريم» و«الأَكرَم» اختيارٌ مَقصود، فـ«الكَريم» صِفَةٌ راسِخَة، و«الأَكرَم» تَفضيلٌ يَنفَتِحُ على ما لا يَنتَهي، فلا يوجَدُ كَرَمٌ يَفوقُه، والذي خَلَقَ من العَلَقَةِ ما سَيَتَعَلَّمُ بِالقَلَم لا يُمكِنُ أَن يَكونَ هُناكَ مَن هو أَكرَمُ مِنه. والكَرَمُ في اللُّغَةِ عَطاءٌ يَقتَرِنُ بِه تَجاوُزٌ عن المُسيء، وإحسانٌ بِغَيرِ مَنّ، فالعَطاءُ المُجَرَّدُ لا يَستَوفي مَعناه.

من بَسمَلَةِ الفاتِحَةِ إلى أَكرَمِيَّةِ العَلَق: قَوسٌ واحِد

افتُتِحَ الكِتابُ في الفاتِحَةِ بِـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾، وفيها سَعَةُ الرَّحمَةِ ودَوامُها، وهذه السورةُ تَفتَحُ بابَ هذه الرَّحمَةِ من جانِبٍ آخَرَ هو الكَرَم، والرَّحمَةُ تَحوي، والكَرَمُ يُعطي، والذي حَوى الإنسانَ من العَلَقَةِ يُكرِمُه بِالقَلَم، والصِّفَتانِ مَدخَلانِ إلى البَيتِ نَفسِه.

والقارئُ في كُلِّ مَرَّةٍ يُعيدُ فيها هذه الآيَةَ يَتَعَلَّمُ شَيئاً عن نَفسِه، وهو أنَّ المَأمورَ بِالقِراءَةِ مَكفولٌ بِالكَرَم، وأنَّ مَن يَأمُرُه لا يَتَخَلّى عَنه، فالذي قالَ لَه «اقرأ» يَقولُ في النَّفَسِ نَفسِه «وَرَبُّكَ الأَكرَم». فَإذا تَعَثَّرَ في الفِعل لَم يَكُنِ التَّعَثُّرُ من قِلَّةِ كَرَمِه، إذ هو الأَكرَم.


حَصيلة

«اقرأ» تَتَكَرَّرُ للمَرَّةِ الثانيَة، والتَّكرارُ ليس فَضلَة، فالأَمرُ يُعادُ على مُخاطَبٍ مُتَهَيِّبٍ فَيَأمَنُ شَيئاً فَشَيئاً. غَيرَ أنَّ الصياغَةَ تَغَيَّرَت، ففي المَرَّةِ الأُولى «بِاسمِ رَبِّك»، وفي الثانيَةِ «وَرَبُّكَ الأَكرَم»، فصارَتِ الباءُ واواً، وانتَقَلَ الكَلامُ من إلصاقٍ إلى مَعِيَّة، والمَعنى: اِقرأ، والحالُ أنَّ رَبَّكَ مَعَك وهو الأَكرَم. و«الأَكرَم» (ك-ر-م) تَفضيلٌ مُطلَق، فهو الأَكرَمُ من غَيرِ مُفاضَلَةٍ مَعَ أَحَد، زيادةً على أنَّه «الكَريم». والكَرَمُ في اللُّغَةِ عَطاءٌ مع تَجاوُزٍ عن المُسيء، وإحسانٌ بِغَيرِ مَنّ، ولا يَقِفُ عند العَطاءِ المُجَرَّد. ومَن أَمَرَ بِالقِراءَةِ يَكفُلُها، ومَن وَصَفَ رَبَّه بِالأَكرَمِيَّةِ يَأمَنُ في الفِعل.