العلق · الآية 4

﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ

«عَلَّم»: التَّعليمُ تَكثيفٌ مُحاط

مَدارُ ع-ل-م على وَضعِ العَلامَةِ التي تُمَيِّز، فالذي يَعلَمُ هو الذي عَلَّمَ نَفسَه عَلامَةً تَفصِلُ المَعلومَ عن مَجهول. وَ«عَلَّم» في صيغَةِ التَّفعيلِ تَكرارٌ لِلفِعلِ مَعَ تَكثيف، وقد عُدِلَ فيه عن «عَلِم»، وهو فِعلُ مَعرِفَةٍ بَسيط، إلى «عَلَّم»، ومَعناه نَقلُ العَلامَةِ المُمَيِّزَةِ من مَعروفِه إلى مَن أَمامَه، حَتّى صارَ المُعَلَّمُ يَملِكُ من العَلامَةِ ما كانَ في يَدِ المُعَلِّم.

وَالكِتابُ حينَ يَختارُ صيغَةَ «عَلَّم» بِالتَّضعيف يُلَوِّحُ بِأَنَّ التَّعليمَ تَكثيفٌ لِلعَلامَةِ في المُتَعَلِّمِ حَتّى تَستَقِرَّ فيه، لا انتِقالٌ عابِر. والأَداَةُ المُختارَةُ لِهذا الفِعلِ هي القَلَم، والقَلَمُ يَخُطُّ على المَحَلِّ خَطّاً يَبقى، والتَّعليمُ في الآيَةِ خَطٌّ من هذا النَّوع، مَعنىً يُحفَرُ ولا يَزول.

«بِالقَلَم»: الأَداَةُ المُسَوَّاةُ التي تَخُطّ

و«قَلَم» من ق-ل-م، ويَدُلُّ الجَذرُ على القَطعِ والتَّسويَة، فتُقلَمُ الأَظفار، وَتُقلَمُ القَصَبَة، والقَلَمُ نَفسُه اسماً مَعناه الجَريدَةُ المَقطوعَةُ المُسَوَّاةُ. فالأَداَةُ التي يُكتَبُ بِها مُهَيَّأَةٌ بِفِعلَين: قُطِعَت من أَصلِها، ثُمَّ سُوِّيَ رَأسُها، حَتّى تَخُطَّ خَطّاً مُنتَظِماً، فالكِتابَةُ تَكونُ بِأَداَةٍ صُنِعَت لَها، ولا يُكتَبُ بِأَيِّ شَيء.

وَفيه دَرسٌ يَنفَتِحُ على القارئِ نَفسِه، وهو أنَّ مَن أَرادَ أَن يُكتَبَ به فَلا بُدَّ له من تَقليم، فالقَصَبَةُ لا تَكتُبُ ما لَم تُسَوَّ، والإنسانُ لا يَتَلَقّى ما يَتَلَقّى ما لم يُهَذَّب، والقَلَمُ في صورَتِه تَذكيرٌ بِهذا الأَدَب.

«الذي عَلَّمَ بالقَلَم»: صَدى تَعليمِ آدَم

وهذه الآيَةُ تَنظُرُ مُباشَرَةً إلى آيَةٍ في البَقَرَة: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، فالفِعلُ نَفسُه «عَلَّم»، والمَفعولُ نَفسُه، وهو الإنسانُ بِأَوَّلِ صورَتِه. هُناكَ جاءَ: عَلَّمَ آدَمَ الأَسماء، وَهُنا جاءَ: عَلَّم بِالقَلَم. والأَسماءُ كانَت العَلامَةَ التي بِها مُيِّزَ الخَليفَة، والقَلَمُ هو الأَداَةُ التي بِها تُحفَظُ هذه العَلامَات.

وَفي البَقَرَة تَأتي الجُملَةُ التَّاليَةُ مُباشَرَةً: ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ﴾، والتَّعليمُ كانَ امتيازاً لا خِبرَة، والذي خَلَقَ آدَمَ من تُرابٍ عَلَّمَه ما لَم تَعلَمه المَلائكَة، والذي خَلَقَ هذا الإنسانَ من عَلَقَةٍ عَلَّمَه بِالقَلَمِ ما لم يَكُن في يَدِه. وهو الكَرَمُ نَفسُه يَتَكَرَّر، من العَلَقَةِ إلى الأَسماء، ومِن الأَسماءِ إلى القَلَم.


حَصيلة

صِلَةٌ ثانيَةٌ تُضافُ إلى الرَّبِّ الأَكرَم: الأُولى «الذي خَلَق»، والثانيَةُ «الذي عَلَّم»، وبَينَهُما تَرسُمُ السورَةُ قَوسَ الكَرَم، من خَلقِ الإنسانِ من عَلَقَةٍ إلى تَعليمِه بِالقَلَم، ومن الجَلطَةِ إلى الكَلِمَة. و«عَلَّم» (ع-ل-م) على وَزنِ تَفعيل، ومَعناه نَقلٌ مُكَثَّفٌ للعَلامَةِ المُمَيِّزَةِ من المُعَلِّمِ إلى المُتَعَلِّم، حَتّى تَستَقِرَّ فيه وتَبقى. والباءُ في «بِالقَلَم» (ق-ل-م) باءُ الأَداَة، فالقَلَمُ أَداةُ المُعَلِّم، لا المُعَلِّمُ نَفسُه، والجَذرُ يَدورُ على القَطعِ والتَّسويَة، فالأَظفارُ تُقلَم، والقَصَبَةُ تُقلَم، والأَداةُ نَفسُها مُهَيَّأَةٌ بِفِعلِ تَهذيب، ولا تَكتُبُ حَتّى تُسَوَّى. والآيَةُ تَتَّصِلُ بِتَعليمِ البَقَرَة: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، والفِعلُ نَفسُه والمَوهوبُ نَفسُه، فهُناكَ الأَسماءُ أَداةُ الخِلافَة، وهُنا القَلَمُ أَداةُ حِفظِ الأَسماء.