العلق · الآية 2

﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ

«الإنسان»: المُؤنَّسُ بِأَصلِه، المَنسيُّ بِفِعلِه

الجذرُ أ-ن-س يَدورُ على الأُنسِ والاطمئنان، والإنسانُ مَن يَأنَسُ بِغَيرِه ولا يُطيقُ الوَحدَة. غَيرَ أنَّ الاسمَ يُرَدُّ أيضاً إلى «نَسي»، وهو جذرٌ آخَر، فاسمُه نَفسُه يَحمِلُ الوَجهَين: كائنٌ يُؤنَسُ به ويَأنَس، وكائنٌ يَنسى ما رَأَى، ولِذلك سُمِّيَ إنساناً لِنِسيانِه. والآيةُ هنا تَعمَلُ على هذا الوَجه، فتُذَكِّرُ الإنسانَ بِأَصلِه قَبلَ أَن يَنسى.

وَالكَلِمَةُ مُعَرَّفَةٌ بِأل: «الإنسان»، والمُرادُ النَّوعُ دونَ فَردٍ بِعَينِه، فكُلُّ مَن دَخَلَ في هذا اللَّفظِ دَخَلَ في حُكمِ الآيَة، والذي يَقرَأ هذه الآيَةَ يَدخُلُ تَحتَها هو نَفسُه غَيرَ مُستَثنى، وقد خَلَقَ الذي خَلَق الإنسان، وقارئُ الآيةِ مِنه، مِن عَلَق.

«مِن عَلَق»: أَدنى نُقطَةٍ في السَّيرورَة

و«العَلَق» في اللُّغَة جَمعُ «عَلَقَة»، وهي قِطعَةُ دَمٍ غَليظٍ مُعَلَّقَة. ومَدارُ ع-ل-ق على التَّعَلُّقِ والالتِصاق، والعَلَقَةُ في الأَصلِ ما تَعَلَّقَ بِشَيءٍ فَلَم يَستَقِلَّ بِنَفسِه، ومن هذا الجَذرِ نَفسِه «عَلِقَ القَلبُ» إذا اِشتَدَّ تَعَلُّقُه. فَكَأَنَّ الإنسانَ في أَصلِه مُعَلَّقٌ بِغَيرِه، لا قَوامَ له بِنَفسِه، والصورَةُ نَفسُها يَنبَغي أَن تَظَلَّ حاضِرَةً في وَعيِه، فمَن أَصلُه عَلَقَة لا يَنبَغي أَن يُمَدَّ نَفسَه فَوقَ ما هو لَه.

ومن العَجيبِ أَنَّ الكِتابَ يَختارُ هذه الكَلِمَةَ لِيُسَمِّيَ بِها السورَةَ كُلَّها، وكانَ يُمكِنُه أَن يُسَمِّيَها «اقرأ» (وقد سُمِّيَت كَذَلكَ في بَعضِ المَصاحِف)، أَو «القَلَم»، أَو «الكَرَم»، فأوثِرَت «العَلَق» على هذه كُلِّها، وكَأَنَّ السورَةَ كُلَّها تُذَكِّرُ بِأَدنى نُقطَة. ومَن نَسِيَ هذه النُّقطَةَ طَغى، ولِذَلكَ سَتَأتي بَعدَ قَليلٍ كَلِمَةُ «لَيَطغى» في الآيةِ السادسة.

من العَلَقَة إلى التَّعلُّم: مَدارُ الكَرامَة

والتَّقابُلُ في السورَةِ بَديع: الإنسانُ مِن عَلَق (الآية 2)، والإنسانُ يُعَلَّمُ ما لم يَعلَم (الآية 5)، وهُما كَلِمَتانِ من جَذرَين مُختَلِفَين، يَتَجاوَرانِ مع ذلك في صَدرِ السورَةِ كَأَنَّ بَينَهُما رَبطاً خَفيّاً. فالذي خَرَجَ من العَلَقَة أَهَّلَه الذي خَلَقَه لِأَن يُعَلَّم، والمَسافَةُ بَينَ النُّقطَتَين هي مَدارُ الكَرامَة، من عَلَقَةٍ مُعَلَّقَةٍ إلى عَقلٍ يَجمَعُ ويَضُمّ.

وَفي البَقَرَة، حينَ أَرادَ الكِتابُ أَن يُعَرِّفَ بِالخَليفَةِ المَجعولِ في الأَرض، قالَ: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، والخِلافَةُ بِالعِلم، والإنسانُ مِن عَلَق، والذي مَنَحَه التَّعليمَ هو الذي خَلَقَه من أَدنى. ولِذَلكَ كانَ التَّذَكُّرُ شَرطاً، وهو أَن يَعلَمَ الإنسانُ، وهو يَتَعَلَّم، أَنَّه نَفسَه كانَ عَلَقَة.


حَصيلة

تَملأُ الآيةُ الفَراغَ الذي تَرَكَتهُ الأُولى في «خَلَق» بلا مَفعول، فالمَفعولُ هنا «الإنسان» (أ-ن-س، ويُرَدُّ أيضاً إلى «نَسي»)، الكائنُ الذي يَأنَسُ ويَنسى، واسمُه يَحمِلُ الوَجهَين في آنٍ واحِد. ومن أين؟ «مِن عَلَق» (ع-ل-ق) نَكِرَةً، أي أَيُّ نُقطَةٍ مُعَلَّقَةٍ بِغَيرِها لا قَوامَ لَها بِنَفسِها، دونَ عَلَقَةٍ بِعَينِها. والكِتابُ يَختارُ من مَواضعِ التَّكوينِ أَدناها لِيَنصِبَ أمامَ الإنسانِ المِرآةَ التي لا يَستَطيعُ إنكارَها، لا لإِهانَتِه. والاسمُ المُعَرَّفُ بِأل يَشمَلُ الجِنسَ كلَّه، فكلُّ مَن يَقرأُ هذه الآيةَ يَجِدُ نَفسَه مَخلوقاً من عَلَق. والسورَةُ سُمِّيَت بهذه الكَلِمَة لا بِالقِراءَةِ ولا بِالقَلَم، والتَّذكيرُ بالأَصلِ هو المِحوَر، لأنَّ مَن نَسيَ العَلَقَةَ طَغى، وما جاءَ بَعدَ ذلك في السورَةِ صورَةُ الطُّغيان.