العلق · الآية 5

﴿عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ

«ما لَم يَعلَم»: العِلمُ هِبَةٌ، لا اِكتِساب

ومَحَلُّ النَّظَرِ مَوقِعُ الجُملَة، فقد عُدِلَ عن «عَلَّمَ الإنسانَ كَيفَ يَعلَم» وعن «عَلَّمَه طَريقَ المَعرِفَة» إلى قَولِه: عَلَّمَه ما لَم يَعلَم، أَيِ الأَشياءَ نَفسَها التي ما كانَت في حَوزَتِه، فهو يُعَلِّمُ الإنسانَ ما يَعرِفُه، ولا يُعَلِّمُه الفِكر. والإنسانُ يَنسى أَنَّ ما يَدَّعيه عِلماً ذاتِيّاً ابتَدَأَ من جَهلٍ مَحض.

وفي البَقَرَة، لَمَّا اعتَرَضَتِ المَلائكَةُ على الخَليفَة، وعَلَّمَ اللهُ آدَمَ الأَسماءَ كُلَّها، قالَتِ المَلائكَة: سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾، فاعتَرَفَت بِأَنَّ كُلَّ عِلمٍ لَدَيها مَوهوبٌ لا مَكسوب. والآيَةُ هُنا تَطلُبُ من الإنسانِ هذا الاعتِرافَ نَفسَه، فإذا اعتَرَفَتِ المَلائكةُ بِهذا، فَكَيفَ بِمَن أَصلُه عَلَقَة؟

«الإنسان» مَفعولاً: المُعَلَّمُ هو نَفسُه المَخلوقُ من عَلَق

وتَتَكَرَّرُ الكَلِمَةُ في السورَةِ ثَلاثَ مَرّات: في الآيَةِ 2 «خَلَقَ الإنسانَ من عَلَق»، وفي الآيَةِ 5 «عَلَّمَ الإنسانَ ما لَم يَعلَم»، وفي الآيَةِ 6 «إِنَّ الإنسانَ لَيَطغى»، فهي ثَلاثُ صُوَرٍ لِلكائنِ نَفسِه، الأُولى أَصلُه، والثانيَةُ تَكريمُه، والثالِثَةُ انحِرافُه. والذي يَخرُجُ من العَلَقَةِ ويُعَلَّمُ ثُمَّ يَطغى يَنسى المُتَوسِّط، فقد نَسِيَ كَيفَ خَرَجَ، فَنَسِيَ كَيفَ تَعَلَّم.

وَلِذَلكَ كانَ هذا الكائنُ يُسَمّى «إنساناً» من الجَذرِ نَفسِه أَ-ن-س، فهو يَأنَسُ ويَنسى. والذي عَلَّمَه ما لم يَعلَم ضَمَّه في فِعلِ التَّعليمِ ضَمّاً لا يَنبَغي أَن يُنسى، غَيرَ أنَّ الجَذرَ نَفسَه يُحَذِّرُ من النِّسيان، فالاسمُ يَحمِلُ المَخاطَرَةَ في طَيَّاتِه.

قَوسُ الآياتِ الخَمس: من الجَلطَةِ إلى المَعرِفَة

تَرسُمُ السورَةُ في وَحدَتِها الأُولى (الآيات 1-5) قَوساً واحِداً: اقرأ أَمرٌ، والذي خَلَق صِلَةٌ مُطلَقَة، وخَلَقَ الإنسانَ من عَلَق تَخصيصٌ بِأَدنى نُقطَة، واقرأ ورَبُّكَ الأَكرَم تَكرارٌ مَعَ طَمأنَة، والذي عَلَّمَ بِالقَلَم صِلَةٌ ثانيَةٌ بِالأَداَة، وعَلَّمَ الإنسانَ ما لَم يَعلَم تَعميمٌ لِلتَّعليم.

وَهذه الخَمسُ مَعاً تُقَدِّمُ مَنهَجَ القارئ، وهو أن يَقرَأَ في حِضنِ مَن خَلَقَه، ومَن عَلَّمَه، ومَن أَكرَمَه، وألّا يَنسى أَنَّ ما يَعلَمُه مَوهوبٌ لَه، ومَنِ اعتَرَفَ بِالهِبَةِ سَلِمَ من الطُّغيان. وَلِذَلكَ تَأتي «كَلّا» في الآيَةِ السادِسَةِ ضَربَةً تَفصِلُ بَينَ الوَحدَتَين.


حَصيلة

«عَلَّم» تَتَكَرَّرُ للمَرَّةِ الثانيَة، و«الإنسان» يَعودُ من الآيَةِ الثانيَة، غَيرَ أنَّ الموضوعَ يَتَّسِع، فـ«ما لَم يَعلَم» مَوصولٌ مَفتوحٌ يَشمَلُ كلَّ ما تَعَلَّمَه الإنسانُ منذُ أَوَّلِ خَلقِه، والمُرادُ بِه الأَشياءُ نَفسُها التي ما كانَت في حَوزَتِه، دونَ «طَريقَةِ التَّفكير» و«أُسلوبِ المَعرِفَة». وكلُّ ما يَعرِفُه الإنسانُ الآنَ كانَ يَوماً مَجهولاً، والذي عَلَّمَه هو الذي خَلَقَه. ويُقابِلُه في البَقَرَة: سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾، إذ اعتَرَفَتِ المَلائكَةُ بِما يُطلَبُ من الإنسانِ هنا الاعترافُ به. والخَطَرُ أنَّ الإنسانَ حينَ يَنسى أَنَّ ما يَعلَمُه مَوهوبٌ لا مَكسوب تَتَحَوَّلُ المَعرِفَةُ عِندَه إلى أَداةِ طُغيان، وَلِذَلكَ تَنزِلُ «كَلّا» في الآيَةِ التاليَة فاصِلَةً بَينَ الوَحدَتَين.