الزلزلة · الآية 6

﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ

«يَصدُرُ»: الصُّدورُ بَعدَ الوُرود

والصُّدورُ من ص-د-ر، ومَعناه الخُروجُ بَعدَ الدُّخول، فالوُرودُ يَأتي أوَّلاً (تَدخُلُ الإبِلُ إلى الحَوض)، ثُمَّ يَكونُ الصُّدورُ بَعدَه (تَخرُجُ مُوَزَّعةً). والنّاسُ في هذا الكِتابِ وَرَدوا الحَياةَ مَعاً، يولَدونَ ويَموتونَ ويُبعَثون، وهُمُ اليَومَ يَصدُرون، وصُدورُهُم هذا خُروجٌ في صورةٍ جَديدة، وليسَ عَودةً إلى ألفَتِهِم.

والفِعلُ في «يَصدُرُ النّاسُ» مَرفوعٌ، فليسَ أمراً ولا نَهياً، والسّورةُ لا تَأمُرُهُم بِالصُّدور، وهُم يَصدُرونَ من تِلقاءِ ما حَدَث: بَدَأَ الزِّلزالُ، وتَكَلَّمَتِ الأرض، فما عادَ ثَمّةَ مَوضِعٌ لِلوُقوف، والصُّدورُ فِعلٌ تِلقائِيٌّ يَتبَعُ ما سَبَقَه.

«أَشتاتاً»: التَّفَرُّقُ الذي يَكشِفُ ما كانَ مَطوِيّاً

و«أَشتاتاً» جَمعُ شَتٍّ، والشَّتُّ التَّفَرُّق، وهي هُنا حالٌ من النّاس، أي يَصدُرونَ شَتيتاً مُتَفَرِّقين. والمُرادُ تَفَرُّقُ الحال، لا تَفَرُّقُ المَكان، والذي عاشَ في كُتلةِ النّاسِ يَنفَلِتُ مِنها فَجأةً، فيُصبِحُ وَحدَه أمامَ ما عَمِل.

وفي البَقَرةِ كانَ التَّوحيدُ الأوَّل: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، والفِعلُ «كانَ» في الماضي، فقد كانَتِ الأُمّةُ واحِدةً فاختَلَفوا. أمّا يَومَ الصُّدورِ فالفُرقةُ الباطِنةُ التي اختَفَت تَحتَ الجَماعاتِ تَخرُجُ إلى الظّاهِر، فكُلُّ شَخصٍ بِما عَمِل، لا بِما انتَسَب، ويَنحَلُّ اللِّباسُ الذي كانَ يُغَطّي الفَريق، فيَبقى الفَردُ بِأفعالِه.

«لِيُرَوا أَعمالَهُم»: لا يَرَون، بل يُرَون

وفي الصّيغةِ دِقّة، فـ«لِيُرَوا» مَبنِيٌّ لِلمَجهول، وعُدِلَ فيه عن «لِيَرَوا» المَبنِيِّ لِلمَعلوم، فالنّاسُ يُرَونَ أعمالَهُم، ولا يَرَونَها بِرَغبَتِهِم، والفاعِلُ مَطوِيٌّ كما طُوِيَ في «زُلزِلَت». وما خَفِيَ على المَرءِ في الدُّنيا، أو ما تَجاهَلَه، يُكشَفُ لَه كَشفاً.

والعَمَلُ من ع-م-ل، وهو في القُرآنِ الفِعلُ الذي يَلتَصِقُ بِالذّاتِ فيَصيرُ وَزناً تُحمَلُه. وفي البَقَرةِ تَتَكَرَّرُ صيغَتان: وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ وَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾، فالأُولى عَمَلٌ يَنتَفِع، والثّانِيةُ عَمَلٌ يَنحَبِسُ ثُمَّ يَفسُد، واليَومُ يَومُ كَشفِ الصِّنف. وجاءَتِ الأعمالُ بِصيغةِ الإضافة: «أَعمالَهُم»، فلِكُلٍّ ما عَمِلَ هو، لا ما عَمِلَه آباؤه ولا قَومُه، والانفِصالُ عن الجَماعةِ في «أَشتاتاً» هو نَفسُه الانفِصالُ في «أَعمالَهُم».

والمَشهَدُ كُلُّه إذنٌ بِالنَّظَر: الذينَ كانوا يَتَلَفَّتونَ في الدُّنيا إلى أعمالِ غَيرِهِم يَجِدونَ أعمالَهُم هُم بَينَ يَدَيهِم، والنَّظَرُ يَنقَلِبُ إلى الدّاخِل، وما أراهُ المَرءُ نَفسَه في الدُّنيا تُريهِ نَفسُه إيّاه في الآخِرة.


حَصيلة

«يَومَئِذٍ» هذه هي الثّانِيةُ في السّورة، والظَّرفُ نَفسُه يَجمَعُ الآنَ النّاسَ بَعدَ أن جَمَعَ الأرض. و«يَصدُرُ» من ص-د-ر، وهو في كَلامِ العَرَبِ صُدورُ الإبِلِ بَعدَ الوُرود، تَجيءُ إلى الماءِ مَجموعةً فإذا شَرِبَت تَفَرَّقَت، وقد كانَتِ الحَياةُ بِئراً وَرَدوا عَلَيها مَعاً، واليَومُ يَومُ الصُّدور. و«النّاسُ» الجِنسُ كُلُّه. و«أَشتاتاً» (ش-ت-ت) جَمعٌ يَصِفُ التَّفَرُّق، فالخارِجُ شَتاتٌ يَنتَشِر، وليسَ كُتلةً واحِدةً. و«لِيُرَوا أَعمالَهُم» (ر-أ-ي، ع-م-ل) يُبَيِّنُ أنَّ الغَرَضَ من الصُّدورِ الإراءةُ لا المُحاسَبةُ وَحدَها، فيُرى كُلُّ واحِدٍ ما فَعَل، والأعمالُ التي كانَت في الأرضِ خَفِيّةً ها هي تُحَدِّثُ بِها الأرض. والزِّلزالُ يُحَرِّكُ التُّراب، والصُّدورُ يُفَرِّقُ الجُموع، وهُما حَرَكَتانِ في يَومٍ واحِد، إحداهُما في الأرضِ والأُخرى فيمَن عاشَ عَلَيها.