الزلزلة · الآية 4

﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا

«يَومَئِذٍ»: الظَّرفُ الذي يَجمَعُ المَشهَد

«يَومَئِذٍ» تَركيبٌ من «يَوم» و«إذ». الإشارةُ إلى لَحظةٍ مُعَيَّنةٍ في زَمَنٍ مَعروفٍ بسِياقِه. السورةُ تَستَخدِمُها مَرَّتَين: هنا للحَديثِ، وفي الآيةِ السادِسَةِ للصُّدور. فاليَومُ الواحِدُ يَجمَعُ بَينَ كَلامِ الأرضِ وانتِشارِ الناسِ: الأرضُ تَنطِقُ، والناسُ يَتَفَرَّقون. الذي عاشَ في الصَّمتِ يَنطِق، والذي ظَنَّ نَفسَه في كَتلَةٍ يَتَشَتَّت.

«تُحَدِّث»: الشَّاهِدُ الذي ما زالَ يَشهَد

الفِعلُ «حَدَّث» على وَزنِ فَعَّل: تَكثيرٌ وَتَكرار. ليس خَبَراً واحِداً يَنزِلُ من فَوقِها، بل أَخبارٌ تَتَوالى منها. والأرضُ، في هذا الكتاب، شاهِدٌ كانَ ثابِتاً عَن الكَلام. شَهِدَت كُلَّ شَيء، حَفِظَت كُلَّ شَيء، احتَملَت كُلَّ شَيء. والشاهِدُ مَتى أُذِنَ لَه نَطَق.

وفي اللسانِ العَرَبيِّ «الحَديث» الجَديدُ من القَول، ما كانَ في وَقتِه مَلموساً قَريباً. والأرضُ تَجعَلُ القَديمَ حَديثاً: حادِثَةُ سَنَةٍ مَضَت، وحادِثَةُ قَرنٍ مَضى، تَصيرُ الآنَ كأنَّها وَقَعَت اليَوم. الزَّمَنُ يَنطَوي تَحتَ ضَغطِ الشَّهادَة. والقارئُ يَتَذَكَّرُ أنَّ كلَّ خُطوَةٍ يَتَّخِذُها الآنَ ستُسرَدُ يَومَئِذٍ كأنَّها للتَّوّ.

«أَخبارَها»: الخَبَرُ الذي اختَرَقَ الباطِن

الجِذرُ خ-ب-ر يَحمِلُ مَعنى الاختِراقِ إلى الباطِنِ ليُعلَمَ خَفاياه. ليس الخَبَرُ نَقلاً سَطحِيّاً، بل ما عُرِفَ بَعدَ مَكنونِه. والأرضُ تَملِكُ هذا النَّوعَ من الخَبَرِ: ما تَحتَ السَّطح، ما طَواه التُّراب. أَخبارُها تَخرُجُ من نَفسِ الجَوفِ الذي خَرَجَت منه أَثقالُها.

والإضافةُ مَرَّةً أُخرى: «أَخبارَها» لا «الأَخبار». لكلِّ شَيءٍ في هذه السورةِ ما يَخصُّه. زِلزالُها لها، وأَثقالُها لها، وأَخبارُها لها. الأرضُ كائنٌ كامِلُ السِّيرَةِ في عَينِ اللهِ: لَها تاريخٌ، لَها مَحفوظ، لَها صَوتٌ يَنتَظِرُ يَومَه. وكَأنَّ القرآنَ يَفتَحُ علينا بابَ الإصغاءِ إلى ما تَحتَ أقدامِنا: مَن نَسِيَ أنَّ الأرضَ تَسمَعُ سَيَجِدُها يَومَئِذٍ تَتَكَلَّم. إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ كانَ الجَعلَ، وكلُّ خَليفَةٍ مَرَّ علَيها قد تَرَكَ خَبَراً. اليَومَ تُسلِّمُهُ كُلَّه.


حَصيلة

الإنسانُ سَأَلَ «ما لَها»، فلَم تُجِبه مَلائِكَةٌ من فَوق، بَل الأرضُ نَفسُها من تَحت. «يَومَئِذٍ» يَجمَعُ لَحظَةَ السورَةِ كلَّها في ظَرفٍ واحِد: يَومَ الزِّلزالِ وَإخراجِ الأَثقالِ وسُؤالِ الإنسانِ. «تُحَدِّث» (ح-د-ث) على وَزنِ تَفعيلٍ: تَحديثٌ مُتَتابِعٌ لا تَقريرٌ مُختَصَر. الأرضُ تَفتَحُ سِجِلَّها فتَحكي حادِثاً بَعدَ حادِث. لَم يَكُن سُكوتُها صَمَماً بَل احتِفاظاً. «أَخبارَها» (خ-ب-ر) مُضافَةٌ إلَيها: أَخبارُها هي، لا أَخبارٌ عَنها من غَيرِها. كلُّ خَطوَةٍ خُطِيَت علَيها وكلُّ كَلِمَةٍ سَقَطَت في تُرابِها صارَت خَبَراً يُحَدَّث. والجِذرُ ح-د-ث يُعيدُ القَديمَ حَديثاً: حادِثَةُ سَنَةٍ مَضَت تَصيرُ كأنَّها وَقَعَت اليَوم.