البقرة · الآية 121

﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۗ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۗ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ

«الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ»: الإيتاءُ حِيازَةٌ لا اصطِفاء

«آتَيناهُم» تَدُلُّ على الحِيازةِ وَحدَها، ولا تَعني اصطِفاءً مُطلَقاً، والصّيغةُ عامّةٌ تَشمَلُ كُلَّ مَن بَلَغَه نَصٌّ يُتلى، مِمَّن أوتوا الكِتابَ من قَبلُ، وحَمَلةِ القُرآنِ من بَعدُ. والآيةُ تَضَعُ المِعيارَ داخِلَ كُلِّ طائِفةٍ لا بَينَ الطَّوائِف: السُّؤالُ «كَيفَ تَتَعامَلُ مَعَ الَّذي بَينَ يَدَيك؟»، وليسَ «أيُّ كِتابٍ تَحمِل؟».

جذر (ت ل و) في «يَتْلُونَهُ»: تَتَبُّعٌ قِطعَةً بَعدَ قِطعَة لا قِراءَةُ لِسان

و«يَتلونَه» من (ت ل و)، وهو تَتَبُّعٌ دَقيق (تل) يَحتَوي (و)، أي السَّيرُ في الكِتابِ خُطوةً بَعدَ خُطوة، وقِطعةً بَعدَ قِطعة، حتّى يَنتَهيَ السّائِرُ إلى حَيثُ انتَهى النَّصّ، كما يَتلو اللَّيلُ النَّهارَ فيَأتي بَعدَه مُتَّصِلاً بِه، وليسَ هو تَحريكَ الشَّفَتَينِ بِالحُروف. والتِّلاوةُ بِهذا المَعنى سُلوكٌ لا لِسان.

«حَقَّ تِلَاوَتِهِ»: التِّلاوَةَ التي تَستَحِقُّها الرِّسالَة

و«حَقَّ تِلاوَتِه» مَفعولٌ مُطلَقٌ يَستَوفي المِقدارَ المَطلوب، والمُرادُ بِه المُستَوى الذي تَستَحِقُّه الرِّسالةُ من قارِئِها، لا كَثرةُ التَّكرار: قِراءةٌ تَفهَم، وفَهمٌ يُطيع، وطاعةٌ تَتَحَوَّلُ إلى حالٍ دائِم، على نَحوِ «سَمِعنا وأطَعنا» لا «سَمِعنا وكَرَّرنا». والقارِئُ الذي يَمُرُّ على آيةٍ مِئةَ مَرّةٍ دونَ أن يَقِفَ على مَضمونِها لا يَتلوها حَقَّ تِلاوَتِها، وإنَّما يَتلو صَوتاً بِلا مَعنى.

جذر (أ م ن) في «يُؤْمِنُونَ بِه»: إيمانٌ بِمَعنى الأمان لا مُجَرَّدُ التَّصديق

و«يُؤمِنون» من (أ م ن)، وهو تَأكيدُ التَّجَمُّعِ (أم) بِنَفاذٍ باطِنِيّ (ن). ولَو أرادَ القُرآنُ التَّصديقَ وَحدَه لاختارَ (ص د ق)، واختِيارُ (أ م ن) يُضيفُ بُعدَ الأمان: الَّذي يَتلو الكِتابَ حَقَّ تِلاوَتِه يَأمَنُ على نَفسِه من عَواقِبِ ضَلالِها، ويَأمَنُ النّاسُ من أذاه. فـ«يُؤمِنون بِه» تَعني في آنٍ أنَّهُم يُصَدِّقونَ بِه، ويَأمَنونَ بِه، ويَصيرونَ مَصدَرَ أمانٍ لِمَن حَولَهُم.

جذر (ك ف ر) في «وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ»: تَغطيَةُ النَّصِّ بَعدَ حِيازَتِه

و«يَكفُر» من (ك ف ر)، وأصلُه التَّغطِية، والكُفرُ بِالكِتابِ هُنا تَغطِيةٌ بَعدَ حِيازة، وليسَ إنكاراً خارِجِيّاً: إمّا تَعطيلُ العَمَلِ بِه بَعدَ فَهمِه، وإمّا تَجزِئَتُه إلى مَقبولٍ ومَرفوض (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ). والكِتابُ بُنيةٌ واحِدة، ومَن أخَذَ بَعضَه تَرَكَ البَعضَ الآخَرَ تَحتَ غِطاءِ الهَوى، وهذا خَسارٌ لِلأمانةِ ذاتِها، لأنَّ أداةَ الأمانةِ قد عُطِّلَت.

«فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ»: قَصرُ الخَسارِ بِصيغَةِ الحَصر

وصيغةُ «هُمُ الخاسِرون» حَصرٌ، أي لا خَسارَ إلّا خَسارُهُم، ومَن أوتِيَ الأداةَ ثُمَّ غَطّاها خَسِرَ الغايةَ التي من أجلِها أُعطِيَ. وهذا يَنفي التَّصنيفَ الطّائِفِيَّ الذي يَجعَلُ النَّجاةَ مَرهونةً بِانتِسابٍ جَماعِيّ: النَّجاةُ في التِّلاوةِ التي تَستَحِقُّها الرِّسالة، والخَسارُ في تَغطِيةِ ما أوتِيَ، والخُسرانُ وَظيفةُ سُلوكٍ لا وَظيفةُ هُوِيّة.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «الإيتاءُ» مُجَرَّدُ حِيازة، و«التِّلاوةُ» تَتَبُّعٌ سُلوكِيٌّ قِطعةً بَعدَ قِطعة، و«حَقُّ التِّلاوة» المُستَوى الذي تَستَحِقُّه الرِّسالة، و«الإيمانُ بِه» تَصديقٌ يُنتِجُ أماناً، و«الكُفرُ بِه» تَغطِيَتُه بَعدَ حِيازَتِه، و«الخُسرانُ» يَتَحَدَّدُ بِالسُّلوكِ مَعَ النَّصِّ لا بِالانتِسابِ إلى جَماعَتِه.


حَصيلة

«آتَيناهُمُ الكِتاب» من جِذرِ أ-ت-ي، وهو قُدومٌ لَطيفٌ يَمتَدُّ إلى المُستَقبِل، والمُرادُ حِيازةٌ لا اصطِفاء، فالكِتابُ وُصِلَ إلَيهِم ولم يُعطَوه بِالضَّرورةِ على صَواب، والمِعيارُ «كَيفَ يَتَعامَلُ مَعَ ما يَحمِل؟»، وليسَ «مَن يَحمِل؟». و«يَتلونَه» من جِذرِ ت-ل-و يَصِفُ تَتَبُّعاً دَقيقاً قِطعةً بَعدَ قِطعةٍ بِاحتِواء، كما يَتلو اللَّيلُ النَّهار، فالتِّلاوةُ في أصلِها اللُّغَوِيِّ سُلوكٌ، ولا تَقِفُ عِندَ اللِّسان. وشَرطُ «حَقَّ تِلاوَتِه» من جِذرِ ح-ق-ق يَستَوفي المُستَوى الذي يَستَحِقُّه النَّصّ: فَهمٌ ثُمَّ طاعةٌ ثُمَّ تَحَوُّلٌ إلى حالٍ دائِم، ومَن مَرَّ على الآياتِ دونَ وُقوفٍ على مَضمونِها لم يَتلُها حَقَّ التِّلاوة. وثَمَرةُ هذا التَّتَبُّعِ «يُؤمِنون بِه» من جِذرِ أ-م-ن، وهو تَجَمُّعٌ مُؤَكَّدٌ يَنفُذُ إلى الباطِن، زِيادةً على التَّصديقِ الذِّهنِيّ، فيَأمَنُ صاحِبُه ويَكونُ أماناً لِمَن حَولَه. و«يَكفُر» من جِذرِ ك-ف-ر تَغطِيةٌ تَستَرسِلُ بَعدَ حِيازةِ الكِتاب، إمّا تَعطيلاً لِلعَمَلِ بِه وإمّا تَجزِئةً لَه، وكِلاهُما خُسرانٌ، والخُسرانُ من جِذرِ خ-س-ر نُقصانٌ يَسري ويَمتَدُّ في رَصيدِ مَن أوتِيَ الأداةَ فعَطَّلَها، وهو وَظيفةُ سُلوكٍ لا وَظيفةُ هُوِيّة.