البقرة · الآية 120

﴿وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ

جذر (ر ض و) في «تَرْضَى»: قَبولٌ يَستَقِرُّ فَيَصيرُ حالاً ثابِتاً

«تَرضى» من (ر ض و)، وهو استِرسالٌ يَتَكَثَّفُ (رض) حتّى يَصيرَ حالاً مُستَقِرّة (و). والرِّضا تَرَسُّخٌ لِلقَبولِ حتّى يَصيرَ مَوقِفاً دائِماً، وليسَ قَبولاً لَحظِيّاً. والآيةُ تَنفيه بِـ«لَن»، وهو نَفيٌ مُؤَكَّدٌ لِلاستِقرارِ لا لِأصلِ التَّفاعُل، فقد يَتَعامَلونَ ويَتَحاوَرون، لكِنَّ القَبولَ الثّابِتَ لَن يَحصُلَ ما دامَ شَرطُه اتِّباعَ المِلّة.

جذر (م ل ل) في «مِلَّة»: طَريقَةٌ مُلتَصِقَةٌ بِأهلِها تُحيطُ بِهِم

و«مِلّةٌ» من (م ل ل)، وهو تَجَمُّعٌ يَتَعَلَّق (مل) بِتَعَلُّقٍ مُضاعَف (ل). والمِلّةُ طَريقةُ حَياةٍ جَماعِيّةٍ تَلتَصِقُ بِأهلِها وتُحيطُ بِهِم كما يُحيطُ الإطارُ بِالصّورة، وهي أقرَبُ إلى «طَريقةٍ مَألوفةٍ لِقَومٍ مُعَيَّن» تَشمَلُ العَقيدةَ والسُّلوكَ والعُرفَ واللِّسان، وليسَت مُرادِفاً لِلدّينِ بِمَعناه الحَديث. واشتِراطُ المِلّةِ لِلرِّضا يَعني نَقلَ مَركَزِ الحُكمِ من صِحّةِ المَضمونِ إلى مَوقِعِ الانتِساب.

«هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى»: الحَصرُ بُنيَويٌّ لا شِعار

وصيغةُ الحَصرِ في «هو الهُدى» تُعَرِّفُ الهُدى بِمَصدَرِه لا بِحامِليه. وما عِندَ أيِّ قَومٍ مِمّا يوافِقُ مَصدَرَ الهُدى فهو هُدىً، وما ليسَ مِنه فلَيسَ بِهُدىً ولَو كانَ عِندَ مُنتَسِبٍ إلى الكِتاب. والمِعيارُ مُطابَقةُ الحامِلِ لِلمَصدَر، وليسَ هُوِيَّتَه، وهذا يَحسِمُ سُؤالَ «هل نَأخُذُ مِمّا عِندَهُم؟»: يُؤخَذُ ما يُطابِقُ المَصدَر، ويُترَكُ ما لا يُطابِقُه، بِلا حُمّى الوَلاءِ ولا حُمّى الاحتِقار.

جذر (ه و ي) في «أَهْوَاءَهُم»: فَراغٌ مُحيطٌ يَجذِبُ إلى أسفَل

و«أهواءٌ» من (ه و ي)، وهو فَراغٌ يَحتَوي (هو) يَتَّصِلُ امتِداداً (ي). والهَوى فَراغٌ مُحيطٌ بِالنَّفسِ يَجذِبُها إلى أسفَل، كما في «هَوى يَهوي»، بِمَيلٍ داخِلِيٍّ يُصَوَّرُ قَناعة. والآيةُ تُقابِلُ «هُدى الله» بِـ«أهوائِهِم»: الأوَّلُ مَصدَرٌ يَرفَعُ ويُحَرِّر، والثّاني فَراغٌ يَسقُطُ بِصاحِبِه، فاتِّباعُ الأهواءِ بَعدَ العِلمِ انحِدارٌ واعٍ لا عَثرةُ جَهل.

«بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ»: المُحاسَبَةُ تَشتَدُّ بِتَوَفُّرِ البَيان

والشَّرطُ «بَعدَ الَّذي جاءَكَ» يَرفَعُ خَطَرَ الاستِجابةِ لِلأهواء: مَن لم يَعلَمْ يُعامَلُ غَيرَ مُعامَلةِ العالِم. والتَّعبيرُ بِـ«جاءَكَ» يَجعَلُ العِلمَ حُضوراً نازِلاً إلَيك، غَيرَ شَيءٍ سَعَيتَ إلَيه، ومَن رُفِعَ إلَيه ما يَكفي ثُمَّ اختارَ السُّفولَ فقَدَ العُذر. وقَولُه لَئِن افتِراضٌ لا إخبار، أي شَرطٌ لَو وَقَعَ لَقَطَعَ الوِلاية.

جذرا (و ل ي) و(ن ص ر) في «وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ»: انقِطاعُ العُقدَتَين

و«وَلِيٌّ» من (و ل ي)، وهو قُربٌ واحتِواءٌ مُتَّصِل، و«نَصيرٌ» من (ن ص ر)، وهو مَدَدٌ يَنفُذُ عن حاجةٍ ظاهِرة، والأوَّلُ حَضرةٌ دائِمة، والثّاني مَدَدٌ عِندَ الحاجة. ومَنِ اتَّبَعَ الأهواءَ بَعدَ العِلمِ يُفقَدُ على الحالَتَين: لا أحَدَ يَلي أمرَه في السَّعة، ولا أحَدَ يُنجِدُه في الضّائِقة. والخِطابُ بِظاهِرِه لِلمُخاطَبِ وبِباطِنِه لِلأُمّة، على قاعِدةِ الخِطابِ بِالجَمالِ مَعَ الأنبياء: الشَّرطُ مُستَحيلٌ في حَقِّه، لكِنَّه مَوعِظةٌ نافِذةٌ في حَقِّ كُلِّ سامِع.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «الرِّضا» قَبولٌ يَستَقِرّ، و«المِلّةُ» طَريقةٌ مُحيطةٌ بِأهلِها، و«هُدى الله» يُعَرَّفُ بِمَصدَرِه لا بِحامِلِه، و«الهَوى» فَراغٌ يَسقُطُ بِصاحِبِه، و«الوَلِيُّ والنَّصير» عُقدَتانِ تَنقَطِعانِ عَمَّنِ استَبدَلَ العِلمَ بِالمُوافَقةِ الجَماعِيّة.


حَصيلة

«لَن تَرضى» من جِذرِ ر-ض-و نَفيٌ مُؤَكَّدٌ لِاستِقرارِ القَبولِ لا لِأصلِ التَّعامُل، فالرِّضا تَرَسُّخُ القَبولِ حتّى يَصيرَ حالاً ثابِتاً، وليسَ لَحظةَ قَبول، وهو لَن يَستَقِرَّ ما بَقِيَ شَرطُه اتِّباعَ المِلّة. و«المِلّةُ» من جِذرِ م-ل-ل طَريقةٌ مُلتَصِقةٌ بِأهلِها تُحيطُ بِهِم كما يُحيطُ الإطارُ بِالصّورة، وهي أقرَبُ إلى الطَّريقةِ المَألوفةِ لِقَومٍ مُعَيَّن، وليسَت مُرادِفاً لِلدّين، فاشتِراطُها لِلرِّضا نَقلٌ لِمَركَزِ الحُكمِ من صِحّةِ المَضمونِ إلى مَوقِعِ الانتِساب. والجَوابُ حاسِم: «هُدى الله هُوَ الهُدى» حَصرٌ يُعَرِّفُ الهُدى بِمَصدَرِه لا بِحامِليه، فما طابَقَ المَصدَرَ فهو هُدىً، وما لم يُطابِقْه فلَيسَ بِهُدىً ولَو جاءَ من مُنتَسِبٍ إلى كِتاب. وفي مُقابِلِ «هُدى الله» تَأتي «الأهواءُ» من جِذرِ ه-و-ي، وهي فَراغٌ مُحيطٌ يَجذِبُ إلى أسفَل، واتِّباعُه بَعدَ العِلمِ انحِدارٌ واعٍ لا عَثرةُ جَهل. ومَن آثَرَ الأهواءَ فقَدَ عُقدَتَين: القُربَ المُلازِمَ الحاضِرَ في السَّعةِ من جِذرِ و-ل-ي، والمَدَدَ النّافِذَ حينَ الضّيقِ من جِذرِ ن-ص-ر. والهُدى مَصدَرٌ لا مِلّة، والاختِيارُ بَينَهُما بَعدَ وُصولِ العِلمِ مَحسوب.