البقرة · الآية 24

﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

«فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا» (ف ع ل): عَجزٌ مَحسومٌ لا مُعَلَّق

الشَّرطُ «إن لَم تَفعَلوا» مَفتوحٌ في ظاهِرِه، غَيرَ أنّ العَطفَ عليه بِـ«ولَن تَفعَلوا» يَقطَعُ هذا الانفِتاح، و«لَن» أداةُ نَفيٍ للمُستَقبَلِ تُفيدُ التَّأبيدَ في السِّياق. والفِعلُ من جذرِ (ف ع ل)، وأصلُه إحداثُ أثَرٍ مُلاحَظ، زيادةً على الحَرَكة. وقد عُدِلَ في الآيةِ عن «لَن تُحاوِلوا» إلى «لَن تَفعَلوا»، أي لَن تُحدِثوا الأثَرَ المَطلوبَ مَهما حاوَلتُم، وهذا حُكمٌ استِقباليٌّ قائمٌ لا يُحَدُّ بِزَمَن: التَّحَدّي ماضٍ، والإجابةُ لَم تَأتِ.

«فَاتَّقُوا النَّارَ» (و ق ي): الدُّخولُ في وِقاية لا الخَوفُ من اللَّهَب

و«فَاتَّقوا» من جذرِ (و ق ي) الذي سَبَقَ شَرحُه، وهو وَضعُ حاجِزٍ بَينَ الشَّيءِ وما يُهَدِّدُه. وأوثِرَ «فَاتَّقوها» على «فَاخشَوا النّار» وعلى «فَارهَبوها»، ومَعناه: ادخُلوا في وِقايةٍ تَحفَظُكم منها. والنارُ في جذرِها (ن و ر) مُشتَرِكةٌ مع النّورِ في أصلِ المَعنى، وهو نَفاذٌ يَشتَمِلُ ويَمتَدّ، والنّورُ نَفاذٌ مُضيء، والنارُ نَفاذٌ مُحرِق. فالفَرقُ بَينَهما في مَوقِعِ المُتَلَقّي، وليسَ في ذاتِ الطّاقة: مَن كانَ في وِقايةٍ رأى الطّاقةَ نوراً يَهديه، ومَن كانَ عارِياً منها شَهِدَها ناراً تَحرُقُه. ولذلك طُلِبَ الاتّقاءُ، لا الهُروب.

«وَقُودُهَا النَّاسُ»: الناس من «نَسِي»، إذا سَقَطَت الأمانة

و«الناس» في اللغة تَرتبطُ بجذرَي (أ ن س) و(ن س ي)، وكلاهما يَتَّصلُ بالإنسان: الأُنسُ بمن حوله، والنسيانُ الذي هو في أصل تكوينه. فحين تَصِفُ الآيةُ الناسَ بأنّهم وقودٌ للنار فالمَوصوفُ الإنسانُ الذي انزلقَ إلى طَرَف النسيان فخَفَّ ميزانُه حتى صارَ قابلاً للاشتعال من داخلٍ لا من خارج، وليس جِنسَ الإنسان من حيث هو: فمَن لم يَبقَ فيه ما يُثبِّتُه في موقع الحامل صارَ في موقع المحمول، والمحمولُ في نارٍ وَقودُها الحامل.

«وَالْحِجَارَةُ»: القسوة (ح ج ر) وقودٌ من جنس الكفر

و«الحجارة» هنا صورةٌ لما في القلب من صَلابة، وليست حجارةَ البناء. وقد جاءَ وَصفُ قُلوبٍ بهذا الوَصفِ عَينِه في مَوضِعٍ لاحِقٍ مِنَ السّورة: فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾. والكفرُ في جذره تغطيةٌ متراكمةٌ تُتلف الشعورَ حتى يُصبحَ القلبُ كالحجر، لا يَنفذُ إليه ماءٌ ولا يَنبُتُ فيه زرع. فاقترانُ «الحجارة» بـ«الناس» في وقود النار تَحديدٌ لصِنفَين من الإنسان نفسِه، وليس إضافةَ جنسٍ آخر: مَن نَسِيَ (ن س ي) فخَفَّ ميزانُه، ومَن غَطّى (ك ف ر) حتى قسا فلم تَعُد التغطيةُ مُمكنةَ النقض. وكلاهما وَقود، لأنّ كليهما اختارَ أن تَقومَ نارُه من داخله.

«أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ»: الإعداد (ع د د) ضبطٌ كونيٌّ لا ارتجال

و«أُعِدَّت» من جذر (ع د د)، ومعناه تَجهيزٌ بضبطٍ محكمٍ مكرَّر، لا ارتجالٌ ولا انتقام. وهذه اللفظةُ تُحدِّدُ طبيعةَ النار المذكورة، فهي نتيجةٌ محسوبةٌ سلفاً وفقَ سُنَّةٍ ثابتة، وليست عقوبةَ لحظةٍ تُلقى على مَن خالَف: مَن اختارَ التغطيةَ اختارَ وقودَه. ومعنى «أُعِدَّت للكافرين» أنّ الفعلَ والأثرَ مُرتبطان في سُنَّةٍ واحدة، يُنشِئُ الفعلُ أثرَه بنفسه، ويَجِدُ الأثرُ صاحبَه حتماً، وليس معناها أنّ اللهَ أنشأَها ثمّ بَحَثَ لها عن ساكنين. فالنارُ إذاً امتدادٌ كونيٌّ لِما صَنعَه الإنسانُ في نفسه، وليست جَزاءً يُفرَضُ من خارج، والكلمةُ تسبقُ المصطلح، والدورُ يسبقُ الهويّة.


حَصيلة

«فإن لَم تَفعَلوا ولَن تَفعَلوا»: الشَّرطُ مَفتوحٌ في ظاهِرِه، غَيرَ أنَّ «لَن» تُقفِلُه إلى الأبَد، وأوثِرَ الفِعلُ (ف-ع-ل: إحداثُ أثَرٍ مُلاحَظ) على «لَن تُحاوِلوا»، ومَعناه «لَن تُنتِجوا الأثَرَ»، وهذا حُكمٌ استِقباليٌّ قائمٌ لا يُحَدُّ بِزَمَن. ثمَّ تأتي التَّوصيةُ: «فاتَّقوا النَّار» دونَ «فاخشَوها»، والاتِّقاءُ (و-ق-ي) وَضعُ حاجِزٍ بَينَ المَرءِ وبَينَ ما يَضُرُّه، دُخولٌ في حِمايةٍ لا ارتِعادٌ من لَهَب. والنَّارُ (ن-و-ر) في جذرِها المُشتَرَكِ مع النُّور نَفاذٌ يَشتَمِلُ ويَمتَدّ، والفَرقُ بَينَهما في مَوقِعِ المُتَلَقِّي: مَن كانَ في وِقايةٍ رأى الطَّاقةَ نوراً، ومَن كانَ عارِياً منها شَهِدَها ناراً. ووَقودُ هذه النَّارِ (و-ق-د: الاشتِعالُ المُتَّصِلُ من مادَّةٍ مُستَهلَكة) هُمُ الناسُ أنفُسُهم حينَ يَنسَون فيَخِفُّ ميزانُهم، والحِجارةُ صورةُ القُلوبِ التي قَسَت بِالتَّغطيةِ (ك-ف-ر) حتى احتَبَسَت فيها طاقةٌ كامِنةٌ تَشتَعِلُ من داخِلها، وكِلاهما وَقودٌ لأنَّ كِليهما اختارَ أن تَقومَ ناتِجتُه من داخِله. وقد أُعِدَّت (ع-د-د: تَجهيزٌ بِضَبطٍ مُحكَم)، أي هي نَتيجةٌ مَحسوبةٌ سَلفاً لا ارتِجال: ما يَختارُه الإنسانُ يُنشِئُ أثَرَه بِنَفسِه.