النازعات · الآية 3

﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا

«وَالسَّابِحَاتِ»: فِعلٌ لا يَقَعُ على شَيءٍ خارِجَه

واوٌ ثالِثة، وصيغةٌ ثالِثةٌ على المِنوالِ نَفسِه. غَيرَ أنَّ الفِعلَ تَحَوَّلَ في جِهَتِه. كانَ الأوَّلانِ واقِعَينِ على غَيرِهِما: مَنزوعٌ يُجذَب، ومَعقودٌ يُحَلّ. أمّا السَّبحُ فحَرَكةُ صاحِبِه في وَسَطِه، لا يُخرِجُ بِها شَيئاً ولا يَفُكُّ.

والجِذرُ س-ب-ح جَريانٌ يَنفَتِحُ ثُمَّ يَخلُص: مُرورٌ لا يَعلَقُ بِصاحِبِه مِنه شَيء. ومنه السِّباحة: بَدَنٌ يَشُقُّ الماءَ ويَمضي فيه، فَإذا خَرَجَ لَم يَحمِلْ مِنه شَيئاً.

فَإذا رُتِّبَتِ الأقسامُ الثَّلاثةُ على تَرتيبِ وُرودِها بانَ فيها تَخَفُّفٌ مُتَدَرِّج. جَذبٌ يُغالِبُ المُقاوَمة، ثُمَّ حَلٌّ يُنهيها بِلَمسة، ثُمَّ جَريانٌ لا مُقاوَمةَ فيه أصلاً. الوَسَطُ الذي كانَ يُمسِكُ في الأوَّلِ صارَ في الثّالِثِ مَجرىً يُعبَر.

«سَبْحًا»: مَصدَرٌ ثانٍ يُعيدُ فِعلَه بِحُروفِه

مَصدَرٌ من حُروفِ الفِعل، كما في الآيةِ قَبلَها. ومَجيئُه مَرَّتَينِ مُتَوالِيَتَينِ يَجعَلُ الشَّكلَ مَسموعاً: اسمُ فاعِلةٍ ثُمَّ حَدَثُه، اسمُ فاعِلةٍ ثُمَّ حَدَثُه. تُبنى الأقسامُ على قالَبٍ واحِدٍ فلا يَبقى لِلاختِلافِ إلّا الجُذور.

وبِهذا التَّكرارِ يَنكَشِفُ أوَّلُ القَسَمِ لِمَن أصغى إليه ثانِيةً. فَقَد كانَ قَيدُ الأوَّلِ من غَيرِ حُروفِه: وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾. تَشِذُّ الآيةُ الأُولى عن قالَبٍ يَستَقيمُ بَعدَها، فيُسمَعُ شُذوذُها بَعدَ حين.

والسَّبحُ إذا أُكِّدَ بِلَفظِه لَم يُزَدْ عليه وَصفٌ يُثقِلُه. حَرَكةٌ تُعَرَّفُ بِنَفسِها لا بِما تَتَعَلَّقُ بِه.


حَصيلة

واوٌ ثالِثةٌ وصيغةٌ ثالِثةٌ على المِنوال، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ الفِعلُ في جِهَتِه: كانَ الأوَّلانِ واقِعَينِ على غَيرِهِما، جَذباً وحَلّاً، وصارَ الثّالِثُ حَرَكةَ صاحِبِه في وَسَطِه. و«السَّابِحَاتِ» من س-ب-ح: جَريانٌ يَنفَتِحُ ثُمَّ يَخلُص، ومنه السِّباحةُ يَمضي فيها البَدَنُ في الماءِ فلا يَحمِلُ مِنه شَيئاً حينَ يَخرُج. فَفي الأقسامِ الثَّلاثةِ تَخَفُّفٌ يَتَدَرَّج: مُغالَبةٌ، فَلَمسةٌ تَحُلّ، فَمُرورٌ لا يُمسِكُه شَيء. و«سَبْحًا» مَصدَرٌ ثانٍ من حُروفِ فِعلِه، فَيَستَقيمُ القالَبُ ويَبقى الفَرقُ كُلُّه في الجُذور. وحينَ يَستَقيمُ القالَبُ تُسمَعُ الآيةُ الأُولى شاذَّةً عنه.