النازعات · الآية 4

﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا

«فَالسَّابِقَاتِ»: فاءٌ تُرَتِّبُ حَيثُ كانَتِ الواوُ تَضُمّ

مَضَت ثَلاثُ واواتٍ ثُمَّ جاءَت فاء. والواوُ تَضُمُّ المُقسَمَ بِه إلى المُقسَمِ بِه ولا تَجعَلُ بَينَهُما رُتبة، والفاءُ لِلتَّعقيب، فتَجعَلُ ما بَعدَها في أثَرِ ما قَبلَها. وهذا الحَرفُ يُشبِهُ ما دَخَلَ عَلَيه، لأنَّ «السَّابِقَاتِ» تَقَدُّمٌ في مَعناها، فلو ضُمَّت بِواوٍ لَجاءَ التَّقَدُّمُ مَضموماً بِلا مَوضِعٍ يَتَقَدَّمُ فيه، فجاءَتِ الفاءُ ووَضَعَت لَه مَوضِعاً.

والجِذرُ س-ب-ق خُروجٌ من بَينِ الأشياءِ يُقطَعُ لَه الأمرُ فيَصيرُ أمام، فلا سَبقَ إلّا ومَعَه مَتروكونَ في مَواضِعِهِم، ولا سَبقَ إلّا ومَعَه مَسافةٌ تَظهَرُ بَينَ الطَّرَفَين، ولِذلك تَحمِلُ الكَلِمةُ اثنَينِ لا واحِداً: خارِجاً تَقَدَّم، وباقِياً حَيثُ كان.

وتَلتَقي هذه الآيةُ بِالتي قَبلَها في نَواةٍ واحِدة، فـوَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ و«السَّابِقَاتِ» كِلتاهُما عَلى «سب»، وهي نُفوذٌ يَخرُجُ من بَينِ الأشياءِ ويَنفَتِحُ عَنه. ثُمَّ يَفتَرِقُ الحَرفُ الأخير، فالحاءُ تُنفِذُ الجارِيَ حتّى يَخرُجَ نَقِيّاً مِمّا مَرَّ بِه، والقافُ تَقطَعُ بَينَه وبَينَ مَن خَلفَه، فالمَجرى واحِدٌ ولَه مُنتَهَيان.

«سَبْقًا»: تَقَدُّمٌ يُثبَتُ ولا يُقَدَّرُ بِغَيرِه

و«سَبْقًا» مَصدَرٌ من حُروفِ فِعلِه، وهو الثّالِثُ عَلى التَّوالي، وقد صارَ القالَبُ الآنَ مَعروفاً لِلأُذُنِ قَبلَ أن يَتِمّ: اسمُ فاعِلةٍ ثُمَّ حَدَثُه بِحُروفِه، وثَلاثٌ عَلى المِنوالِ تَكفي لِتَصيرَ القاعِدةُ مُنتَظَرة.

وإذا أُكِّدَ السَّبقُ بِلَفظِه أُثبِتَ التَّقَدُّمُ وبَقِيَ مَداهُ ومَحَلُّه خارِجَ الكَلام، فلا مَسافةٌ تُعَدّ، ولا مَسبوقٌ يُسَمّى، والحَدَثُ يَشهَدُ لِنَفسِه بِنَفسِه.

وقد كانَ القَسَمُ الأوَّلُ وَحدَه مُقَيَّداً بِكَلِمةٍ من غَيرِ حُروفِه تُقَدِّرُ مَداه، ثُمَّ تُرِكَ الحَدَثُ لِنَفسِه مَرّةً ومَرّةً وثالِثة، حتّى صارَ ذلك هو الأصلَ في هذه الأقسام، لأنَّ ما يُعَرَّفُ بِنَفسِه لا يُقاسُ بِسِواه.


حَصيلة

فاءٌ بَعدَ ثَلاثِ واوات، والواوُ تَضُمُّ والفاءُ تُرَتِّب، فتَنقَلِبُ الأقسامُ من مَجموعٍ إلى مُتَتابِع، والحَرفُ يُشبِهُ الكَلِمةَ التي دَخَلَ عَلَيها. و«السَّابِقَاتِ» من س-ب-ق، وهو خُروجٌ من بَينِ الأشياءِ يُقطَعُ لَه الأمرُ فيَصيرُ أمام، وفي الكَلِمةِ خارِجٌ تَقَدَّمَ وباقٍ في مَوضِعِه ومَسافةٌ بَينَهُما. وهي تُشارِكُ وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ نَواةَ «سب»، ثُمَّ يَفتَرِقُ الحَرفُ الأخير، فالحاءُ تُخرِجُ نَقِيّاً، والقافُ تَقطَعُ عَمَّن خَلف. و«سَبْقًا» ثالِثُ مَصدَرٍ من حُروفِ فِعلِه، فيَثبُتُ التَّقَدُّمُ ويَبقى مَداهُ ومَسبوقُه خارِجَ اللَّفظ. فالحَرفُ رَتَّب، والكَلِمةُ تَقَدَّمَت، والمَصدَرُ لم يُقَيَّد، وهي ثَلاثةٌ تَقولُ الشَّيءَ نَفسَه.