الجَمع
**ضَمُّ الكَثيرِ حتّى يَلتَحِمَ واحِداً يُقبَضُ عليه**. لَيسَ الجَمعُ تَقريبَ الأشياءِ بَعضِها من بَعضٍ فَحَسب، بَل انتِهاءَ هذا التَّقريبِ إلى عَينٍ واحِدةٍ يُخبَرُ عنها إخبارَ الواحِد. ولِذلك سُمِّيَ المُجتَمِعونَ أنفُسُهُم **جَمْعاً**، وجاءَ من الجَذرِ نَفسِه «أجمَعين» الذي يُغلِقُ المَعدودَ فلا يَشِذُّ منه أحَد.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- ج: يَلتَقي وَسَطُ اللِّسانِ بِوَسَطِ الحَنَكِ فيَحبِسُ النَّفَسَ في
جَوفِ الفَمِ ثُمَّ يَنبَثِقُ عنه بارِزاً مُستَرسِلاً. شِحنَتُه: تَكَتُّلٌ في جَوفٍ ثُمَّ بُروز.
- م: تَنطَبِقُ الشَّفَتانِ انطِباقاً ضامّاً يُمسِكُ النَّفَسَ
المَجهورَ في جَوفٍ مُغلَقٍ ثُمَّ يُنفِذُه رَنيناً مُمتَدّاً من الأنف. شِحنَتُه: ضَمٌّ ولِقاءٌ وتَلاصُق.
- ع: قَبضٌ يَلتَحِمُ في أقصى الحَلقِ على رِقّة، يَجري فيه النَّفَسُ
المَجهورُ في أضيَقِ المَجاري وأعمَقِها فيَظهَرُ الصَّوتُ من العُمقِ إلى خارِج. شِحنَتُه: قَبضٌ يَلتَحِمُ ثُمَّ يَظهَر.
النَّواةُ جَم (ج + م) = تَكَتُّلٌ يُضَمُّ حتّى يَتَلاصَق: كَثرةٌ تَدانَت أجزاؤُها فمَسَّ بَعضُها بَعضاً. ومنه «جَمَّ الماءُ في الحَوض» إذا اجتَمَعَ فكَثُر، و«الجُمّة» لِلشَّعرِ المُتَكاثِفِ على الرَّأس، و«الجَمّ» لِلكَثيرِ المُتَراكِم. والإغلاقُ بِـع يَقبِضُ هذا المُتَلاصِقَ ويَلحُمُه فيَصيرُ عَيناً واحِدةً تَظهَر، فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: ضَمٌّ يَنتَهي إلى التِحامِ الكَثيرِ واحِداً.
ومنه في كلامِ العَرَب:
- الجَماعة: عَدَدٌ صارَ بَدَناً واحِداً، فيُخبَرُ عنه إخبارَ الواحِد.
- الجامِع: ما يَقبِضُ المُتَفَرِّقَ في واحِد، ومنه سُمِّيَ المَسجِدُ
الجامِع.
- أجمَعَ أمرَه: صَيَّرَ رَأيَهُ المُتَفَرِّقَ عَزماً واحِداً،
فالمَجموعُ هُنا مَعنىً لا أجسام.
- الجَمْع: اسمٌ لِلمُجتَمِعينَ أنفُسِهِم لا لِفِعلِ الجامِع، فالجَذرُ
يُنتِجُ عَيناً كَما يُنتِجُ حَدَثاً.
- جِماعُ الشَّيء: ما يَؤولُ إليه أمرُه فيَنضَمُّ فيه.
- جَميعٌ وأجمَعون: يُؤتى بِهِما بَعدَ المَعدودِ فيُغلِقانِ عليه فلا
يَشِذُّ منه شيء.
الشِّحنةُ الجامعةُ لِلجَذرِ ج-م-ع: ضَمٌّ يَنتَهي إلى التِحامِ الكَثيرِ واحِداً. وهذه القِراءةُ تَحسِمُ في الجَذرِ أمرَينِ لا يُعطيهِما ظاهِرُ اللَّفظ:
الأوَّل: أنَّ «جَمَعَ» و«أجمَعين» شيءٌ واحِد. الظّاهِرُ يُعطي مَعنَيَينِ مُنفَصِلَين، فِعلَ الضَّمِّ ولَفظَ التَّوكيد، فيَبدو اشتِراكاً في اللَّفظ. والحُروفُ تُعطي واحِداً: أن تَجمَعَ هو أن تُغلِقَ الكَثيرَ على واحِد، وأن تَقولَ «والنّاسِ أجمَعين» هو أن تُغلِقَ المَسرودَ فلا يَخرُجَ منه أحَد. فالتَّوكيدُ عَمَلُ الجَذرِ نَفسُه واقِعاً على عَدَدٍ مَذكورٍ بِأسمائِه.
الثّاني: أنَّ الجَذرَ لا جِهةَ لَه. الحَرفُ الأخيرُ فيه ع وهي قَبضٌ يَلتَحِم، فالحَرَكةُ تَنتَهي إلى داخِلِ المَجموعِ لا إلى مَوضِعٍ خارِجَه. ولِذلك لم يَتَعَدَّ الجَذرُ في المُصحَفِ المَنشورِ بِـ«إلى» ولا مَرّةً واحِدةً في اثنَينِ وعِشرينَ مَوضِعاً، وإنَّما جاءَ بِاللّامِ («لِيَومٍ» مَرَّتَينِ و«لَكُم» مَرّة) أو بِـ«على» مَرّةً واحِدةً في ١٧:٨٨ أو بِلا صِلةٍ أصلاً. وقابِلْ بِه الحَشر: جَذرُه يُغلَقُ بِـر وهي جَرَيانٌ مُستَرسِل، ولَزِمَته «إلى» في مَواضِعِه الثَّلاثةِ الأولى كُلِّها. ثُمَّ نُشِرَتِ الإسراءُ وطه فزادَ الحَشرُ خَمسةَ مَواضِعَ لَيسَ في واحِدٍ منها «إلى»، فصارَ اللُّزومُ ثَلاثةً من ثَمانِية. والباقي بَعدَ المَسحِ أنَّ الصِّلةَ تَقَعُ لِلحَشرِ ولا تَقَعُ لِلجَمعِ ألبَتّة، وأنَّ ما زادَ في الحَشرِ يَنتَهي إلى حالٍ أو وَقتٍ لا إلى مَوضِع. فالفارِقُ الباقي في الصِّلةِ لا في المُنتَهى: الحَشرُ يَقبَلُ «إلى» والجَمعُ لا يَقبَلُها ألبَتّة، والبَدَنُ لِلجَمعِ وَحدَه. والفَرقُ بَينَهُما مَقروءٌ من الحَرفِ الثّالِثِ في كُلٍّ منهُما قَبلَ أن يُقرَأَ من السِّياق.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- جَمَعَ (ماضي الثُّلاثيّ): مَوضِعان، وفاعِلُه إنسانٌ فيهِما،
ومَفعولُه مالٌ في ١٠٤:٢ وكَيدٌ في ٢٠:٦٠.
- جَمَعُوا (الماضي لِجَماعةِ الغائِبين): مَوضِعٌ واحِد، ولا مَفعولَ
مَعه.
- جَمَعْنَاهُمْ (الماضي بِضَميرِ العَظَمةِ مُتَّصِلاً بِمَفعولِه):
مَوضِعٌ واحِد.
- يَجْمَعُونَ (المُضارِع): مَوضِعٌ واحِد، ومَفعولُه مُبهَمٌ بِـ«ما».
- فَأَجْمِعُوا (أمرٌ من أفعَلَ): مَوضِعٌ واحِد، ومَفعولُه كَيدٌ،
وهو الوَزنُ الرّابِعُ الوَحيدُ في المُسَجَّل.
- اجْتَمَعَتِ (ماضي افتَعَلَ): مَوضِعٌ واحِد، والفِعلُ فيه لازِمٌ
لا مَفعولَ لَه: يَقَعُ الضَّمُّ من أهلِه بِأنفُسِهِم.
- جَامِعُ (اسمُ الفاعِلِ مُضافاً): مَوضِعٌ واحِد، ويُوصَفُ بِه اللهُ
في نِداء.
- جَمِيعًا (فَعيلٌ مَنصوباً على الحال): سَبعةُ مَواضِع، وهي أكثَرُ
الصِّيَغِ وُروداً.
- جَمِيعٌ (فَعيلٌ مَرفوعاً خَبَراً): مَوضِعان.
- أَجْمَعِينَ (أفعَلونَ تَوكيداً): مَوضِعان، وفي عِبارةٍ واحِدةٍ لا
تَتَبَدَّل.
- الْجَمْعَانِ (تَثنِيَةُ الجَمْعِ مُعَرَّفاً): مَوضِعان، وهو اسمٌ
لِلعَينِ لا لِلحَدَث.
- جَمْعًا (الجَمْعُ نَكِرةً): مَوضِعٌ واحِد.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الشِّحنةُ في هذه الصِّيَغِ كُلِّها واحِدة (ضَمٌّ
يَنتَهي إلى واحِد)، والأوزانُ تُوَزِّعُ جِهاتِ النَّظَرِ إليها.
فالأفعالُ تَنظُرُ إلى الضَّمِّ وهو يَقَع، ووَزنُ فَعيلٍ يَنظُرُ إلى
الواحِدِ بَعدَ ما تَمَّ فيَقَعُ حالاً أو خَبَراً، و«الجَمْع»
و«الجَمْعان» يَنظُرانِ إلى المَجموعِ عَيناً قائِمة، و«أجمَعين»
تَنظُرُ إلى إغلاقِ المَعدودِ فلا يَشِذّ. ولَيسَ في المُسَجَّلِ بِناءٌ
لِلمَجهولِ من هذا الجَذرِ ألبَتّة: الجامِعُ مُسَمّىً في كُلِّ مَوضِعٍ
ذُكِرَ فيه الفِعل.
الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى
hashr(الحَشر، ح-ش-ر): ضَمٌّ في مَضيقٍ يَسوقُ ما فيه إلى وَجهٍ
واحِد. يَشتَرِكانِ في الضَّمِّ ويَفتَرِقانِ في السَّوق، والمُسَجَّلُ يَشهَدُ لِلفَرقِ من ثَلاثِ جِهات: «إلى» تَقَعُ لِلحَشرِ في ثَلاثةٍ من ثَمانِيةٍ ولا تَقَعُ لِلجَمعِ ألبَتّة في اثنَينِ وعِشرين؛ ومَفعولُ الحَشرِ ناسٌ يُساقونَ ومَفعولُ الجَمعِ قد يَكونُ مالاً أو كَيداً لا يُساق؛ ولِلجَمعِ اسمٌ لِلمَجموعِ نَفسِه («الجَمعان»، «جَمْعاً») ولَيسَ لِلحَشرِ مِثلُه.
hudur(الحُضور، ح-ض-ر): مَجيءٌ يَثقُلُ في حَيِّزِه. وقد اجتَمَعا
في جُملةٍ واحِدةٍ مَرَّتَين: «جَميعٌ لَدَينا مُحضَرون». فالجَمعُ خَبَرٌ عن عَدَدِهِم والإحضارُ خَبَرٌ عن مَوضِعِهِم، ولا يُغني أحَدُهُما عن الآخَر.
umma(الأمّة، أ-م-م): كَثرةٌ تَرجِعُ إلى مَنبَعٍ واحِدٍ تَنبَعِثُ
منه. والفَرقُ في جِهةِ الوَحدة: الأمّةُ واحِدةٌ بِأصلِها الذي جاءَت منه، والجَماعةُ واحِدةٌ بِضَمٍّ وَقَعَ عليها. فتِلكَ واحِدةٌ في المَبدَأِ وهذه واحِدةٌ في المُنتَهى.
takathur(التَّكاثُر، ك-ث-ر): تَسابُقٌ في الإكثار. والكَثرةُ
عَدَدٌ يَزيدُ، والجَمعُ التِحامُ العَدَدِ واحِداً. ولِذلك قُرِنَ الجَمعُ بِالتَّعديدِ في ١٠٤:٢، والعَدُّ إنَّما يَقَعُ على ما بَقِيَ آحاداً.
- التَّأليف (أ-ل-ف) لا مَفهومَ لَه في المُعجَمِ بَعد، والقرآنُ
يَقرِنُه بِالجَمعِ في ٣:١٠٣: يُؤمَرُ المُخاطَبونَ بِأن يَعتَصِموا جَميعاً، ثُمَّ يُذَكَّرونَ بِأنَّه ألَّفَ بَينَ قُلوبِهِم. فالجَمعُ ضَمٌّ في الظّاهِرِ يُطلَبُ من العَبد، والتَّأليفُ ما وَقَعَ في القُلوبِ ويُذكَرُ نِعمةً مَوهوبة.
المَواضع: مَواقعُ الجَمع في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٢٩ ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الجَديدُ: الجَذرُ يَدخُلُ القرآنَ حالاً لا فِعلاً، ومَوصوفُه «ما في الأرض» لا ذَواتٌ تُجمَع، فيُقرَأُ من أوَّلِ مَوضِعٍ أنَّ الواحِدَ الذي يُنتِجُه الجَذرُ قد يَكونُ أشياءَ لا أُناساً. ولَيسَ في الآيةِ جامِعٌ يَجمَع: الأشياءُ خُلِقَت مَجموعةً، فالوَحدةُ صِفةُ ما خُلِقَ لا أثَرُ ضَمٍّ طَرَأَ عليه بَعدَ خَلقِه. انظُر الأَرض.
- ٢:٣٨ ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾: أوَّلُ نُزولِ الجَذرِ على ذَوات. الجَديدُ: الحالُ تُلابِسُ أمراً بِالمُفارَقةِ لا بِالاجتِماع، فيَخرُجونَ من مَوضِعٍ واحِدٍ وهُم واحِد. فيَنكَشِفُ أنَّ الجَذرَ لا يَقتَضي بَقاءً في مَكان: الواحِدُ يَبقى واحِداً وهو يُفارِق. وهو أوَّلُ مَوضِعٍ يَقَعُ فيه اللَّفظُ في خِطابٍ يُؤمَرُ بِه لا في خَبَرٍ يُساق.
- ٢:١٤٨ ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾: الجَمعُ أثَراً لِفِعلِ الله. الجَديدُ: يُصَرَّحُ لِأوَّلِ مَرّةٍ بِتَفَرُّقِ المَجموعِ قَبلَ أن يَصيرَ واحِداً («أينَ ما تَكونوا»)، فيَظهَرُ الضَّمُّ الذي في الجَذرِ عامِلاً بَعدَ أن كانَ في المَوضِعَينِ قَبلَه وَصفاً قائِماً. والفِعلُ المَذكورُ «يَأتِ بِكُم» لا «يَجمَعُكُم»، ومَعَ ذلك لا يُذكَرُ مَوضِعٌ يُؤتى بِهِم إليه: الخَبَرُ عن صَيرورَتِهِم واحِداً لا عن مُنتَهىً يَبلُغونَه.
- ٢:١٦١ ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: الوَجهُ التَّوكيديُّ لِلجَذر. الجَديدُ: تَقَعُ الكَلِمةُ بَعدَ مَعدودٍ مَسرودٍ بِأسمائِه فتُغلِقُه، فيَعمَلُ الجَذرُ على عَدَدٍ مُحَدَّدٍ لا على كَثرةٍ مُبهَمة. وهذا هو الضَّمُّ نَفسُه في صورةِ لَفظٍ لا في صورةِ فِعل: لا يَبقى لاعِنٌ خارِجَ الجَمعِ يُرجى. انظُر اللَّعنة.
- ٢:١٦٥ ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾: المَجموعُ مَعنىً لا عَين. الجَديدُ: يُوصَفُ بِالجَمعِ ما لا يُحَسُّ ولا يُعَدُّ، فيَتَّسِعُ الجَذرُ من ضَمِّ الأجرامِ والذَّواتِ إلى ضَمِّ المَعاني. وفائِدَتُه هُنا نَفيُ التَّوزيع: ما التَحَمَ واحِداً لِواحِدٍ لا يَبقى منه شيءٌ عِندَ غَيرِه، فتَسقُطُ الأندادُ بِالحالِ قَبلَ أن تَسقُطَ بِالتَّصريح. انظُر الأَنداد (النِّدّ).
- ٣:٩ ﴿إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ﴾: أوَّلُ اسمِ فاعِل. الجَديدُ: يُسَمّى الجامِعُ لِأوَّلِ مَرّةٍ بَعدَ أن كانَ الجَمعُ في المَواضِعِ قَبلَه حالاً أو أثَراً بِلا فاعِلٍ مَنسوبٍ إليه اللَّفظ، ويَقَعُ الوَصفُ في نِداءٍ يُتَوَسَّلُ بِه لا في خَبَرٍ يُساق. والصِّلةُ لامٌ لا «إلى»: يُجمَعُ النّاسُ لِوَقتٍ لا إلى مَكان، فيَستَقِرُّ من هُنا أنَّ مُنتَهى الجَمعِ مَوعِدٌ لا مَوضِع. انظُر اليَوم.
- ٣:٢٥ ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ﴾: تَنتَقِلُ العِبارةُ من لِسانِ الدّاعي إلى لِسانِ الجامِع. الجَديدُ: يُعادُ مَضمونُ ٣:٩ فِعلاً ماضِياً بِضَميرِ العَظَمة، فيَصيرُ ما كانَ وَصفاً يُتَوَسَّلُ بِه خَبَراً يُواجَهُ بِه، ويُخَصَّصُ المَجموعُ بِضَميرٍ بَعدَ أن كانَ «النّاسَ» كُلَّهُم. ويَتبَعُ الجَمعَ ما يُفَرِّق: «وَوُفِّيَت كُلُّ نَفسٍ ما كَسَبَت»، فيُقرَأُ أنَّ الالتِحامَ في المَحَلِّ لا يُذيبُ الواحِدَ في الجُملة. انظُر النَّفس.
- ٣:١٠٣ ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾: الجَمعُ مَأموراً بِه. الجَديدُ: يُطلَبُ الجَمعُ من العِبادِ بَعدَ أن كانَ واقِعاً أو مَوعوداً، ويُذكَرُ ضِدُّه في الآيةِ نَفسِها فيُحَدُّ اللَّفظُ بِمُقابِلِه لِأوَّلِ مَرّة. والحالُ مُعَلَّقةٌ بِاعتِصامٍ بِواحِدٍ خارِجَهُم: لا يُؤمَرونَ بِأن يَنضَمَّ بَعضُهُم إلى بَعضٍ بَل بِأن يُمسِكوا حَبلاً واحِداً فيَقَعَ الاجتِماعُ تَبَعاً. انظُر الحَبل.
- ٣:١٥٥ ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾: الجَمعُ اسماً لِلعَين. الجَديدُ: يُسَمّى المَجموعُ نَفسُه بِلَفظِ الجَذر، فيَخرُجُ من الحَدَثِ إلى الذّاتِ الواحِدةِ النّاتِجةِ عنه. والتَّثنِيَةُ تُثبِتُ أنَّ هذه الذّاتَ تُعَدُّ وتُقابَلُ بِمِثلِها، ويُسنَدُ إليها فِعلُ اللِّقاء: جِرمانِ يَلتَقِيان، لا كَثرَتانِ تَختَلِطان. وهو أوَّلُ مَوضِعٍ يَقَعُ فيه الجَمعُ في الدُّنيا حادِثةً بِعَينِها لَها يَوم. انظُر القِتال.
- ٣:١٥٧ ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾: أوَّلُ المُضارِع. الجَديدُ: الفاعِلُ ناسٌ والمَفعولُ مَحذوفٌ مُبهَمٌ بِـ«ما»، فيُنظَرُ إلى الفِعلِ من جِهةِ الجامِعِ لا من جِهةِ المَجموع. والمُضارِعُ يَجعَلُه مُستَمِرّاً لم يَنتَهِ إلى واحِدٍ يُقبَضُ عليه، ولِذلك جازَ أن يُوزَنَ بِمَغفِرةٍ ورَحمةٍ فيَخِفّ. انظُر الغُفران.
- ٣:١٧٣ ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾: اللّامُ تَتَبَدَّلُ جِهَتُها. الجَديدُ: يَرِدُ الفِعلُ بِلا مَفعولٍ ألبَتّةَ فيُفهَمُ المَجموعُ من اللّامِ وَحدَها، واللّامُ هُنا لِمَن يُقصَدُ بِالجَمعِ لا لِوَقتِه كَما في ٣:٩ و٣:٢٥. فيَجتَمِعُ لِلجَذرِ في سورةٍ واحِدةٍ لامان: لامُ المَوعِدِ إذا كانَ الجامِعُ اللهَ، ولامُ المَقصودِ إذا كانَ الجامِعُ النّاس. ويُساقُ الخَبَرُ لِيُخافَ منه فيُقابَلُ بِـ«حَسبُنا اللهُ»: جَمعٌ يُواجَهُ بِواحِد. انظُر النّاس.
- ١٧:٨٨ ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾: أوَّلُ لازِمٍ لِلجَذر. الجَديدُ: يَقَعُ الضَّمُّ من أهلِه بِأنفُسِهِم بِلا جامِعٍ يَجمَعُهُم، فيَخرُجُ الجَذرُ من التَّعَدّي إلى اللُّزومِ لِأوَّلِ مَرّة. والصِّلةُ «على» لا «إلى»: اجتِماعٌ على غايةٍ تُقصَدُ لا إلى مَوضِعٍ يُبلَغ. ثُمَّ يُنفى الأثَرُ مَعَ تَمامِ الاجتِماع («لا يَأتونَ بِمِثلِه»)، فيُقرَأُ أنَّ الالتِحامَ لا يُنشِئُ قُدرةً لَيسَت في المُلتَحِمين.
- ١٧:١٠٣ ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا﴾: الحالُ في الإهلاك. الجَديدُ: تُلابِسُ «جَميعاً» فِعلَ إغراقٍ واقِع، فلا تَختَصُّ الوَحدةُ التي يُنشِئُها الجَذرُ بِمَوعِدٍ يُنتَظَر: يُجمَعُ القَومُ في الهَلاكِ كَما يُجمَعونَ لِيَوم. والمَجموعُ مَنسوبٌ إلى واحِدٍ بِـ«مَن مَعَه»، فالجامِعُ بَينَهُم صُحبَتُه لا وَصفٌ قائِمٌ فيهِم.
- ٢٠:٦٠ ﴿فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَىٰ﴾: المَفعولُ كَيدٌ لا مال. الجَديدُ: ثاني ماضٍ ثُلاثيٍّ في المُسَجَّل، ومَفعولُه مَعنىً يُدَبَّرُ لا عَيناً تُحاز، فيَتَّسِعُ ما يَقَعُ عَلَيه الفِعلُ بَعدَ أن كانَ مالاً في ١٠٤:٢. والفاءُ تَجعَلُ الجَمعَ ثَمَرةَ تَوَلٍّ سابِق، ثُمَّ يُعطَفُ عَلَيه الإتيان: ضَمٌّ ثُمَّ حُضورٌ بِما ضُمّ.
- ٢٠:٦٤ ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾: أوَّلُ أمرٍ بِالجَذرِ ووَزنٌ رابِعٌ جَديد. الجَديدُ: يُؤمَرُ بِالجَمعِ مَن جُمِعَ لَهُم كَيدُ فِرعَونَ في ٢٠:٦٠، فيَتَقابَلُ الفِعلانِ على مَفعولٍ واحِدٍ في سورةٍ واحِدة. ووَزنُ أفعَلَ هُنا إحكامُ العَزمِ لا ضَمُّ الأجسام، فيَشهَدُ لِما في القِسمِ الأوَّلِ من «أجمَعَ أمرَه». ويُذكَرُ بَعدَه «صَفّاً»، فالهَيئةُ المَطلوبةُ بَعدَ الجَمعِ واحِدةٌ مُنتَظِمة.
- ٢٠:١٢٣ ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾: الحالُ لِمُثَنّى. الجَديدُ: تُعادُ صيغةُ ٢:٣٨ («اهبِطوا مِنها جَميعاً») بِفِعلٍ مُثَنّىً لا مَجموع، فتَقَعُ «جَميعاً» على اثنَينِ ثُمَّ يَعودُ الضَّميرُ بَعدَها جَمعاً («بَعضُكُم»). فيَثبُتُ أنَّ اللَّفظَ يُغلِقُ المَعدودَ مَهما قَلّ، ولا يَشتَرِطُ كَثرةً تُضَمّ. وهو أوضَحُ مَوضِعٍ على أنَّ الجَذرَ يَصِفُ الوَحدةَ لا العَدَد.
- ٣٦:٣٢ ﴿وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾: أوَّلُ رَفعٍ لِـ«جَميع». الجَديدُ: تَخرُجُ الكَلِمةُ من الحالِ إلى الخَبَر، فلا تُلابِسُ فِعلاً يَقَعُ بَل تُقَرِّرُ ما صاروا إليه. ويُسنَدُ الخَبَرُ إلى «كُلٍّ» مَحصورةً بِـ«إن... لَمّا»، فيَجتَمِعُ في العِبارةِ شُمولان: شُمولٌ يَعُدُّ («كُلّ») وشُمولٌ يُغلِقُ («جَميع»). انظُر الحُضور / الإحضار.
- ٣٦:٥٣ ﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾: يُذكَرُ ما بِه صاروا واحِداً. الجَديدُ: تُعادُ العِبارةُ ويُذكَرُ لَها سَبَبٌ لم يُذكَرْ في ٣٦:٣٢، وهو صَيحةٌ واحِدة. فيُعلَمُ من هذا المَوضِعِ وَحدَه كَم يَستَغرِقُ الجَمعُ من مُدّةٍ في المُسَجَّل، والجَوابُ لا شَيء: صَوتٌ واحِدٌ ثُمَّ هُم واحِد. و«إذا» الفُجائِيّةُ تَنفي المَسافةَ نَفياً، فيُقرَأُ الجَذرُ بِلا طَريقٍ يُقطَعُ إليه.
- ١٠٠:٥ ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾: لِلجَمعِ داخِلٌ يُبلَغ. الجَديدُ: يَرِدُ اللَّفظُ نَكِرةً ويُسنَدُ إليه التَّوَسُّط، فيَثبُتُ لِلمَجموعِ جِرمٌ لَه وَسَطٌ يُدخَل. ولَو كانَ الجَمعُ تَجاوُرَ أعدادٍ لَما كانَ لَه وَسَطٌ يُتَوَسَّط. وهو أصرَحُ ما في المُسَجَّلِ على أنَّ الجَذرَ يُنتِجُ واحِداً مُلتَحِماً لا كَثرةً مَرصوفة. انظُر الوَسَط.
- ١٠٤:٢ ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾: المَجموعُ مالٌ، والجَمعُ يَقِفُ دونَ تَمامِه. الجَديدُ: يَرِدُ الفِعلُ ماضِياً بِمَفعولٍ مُصَرَّحٍ بِه لِأوَّلِ مَرّة، والمَفعولُ مالٌ لا يُساقُ ولا يُخاطَب، فيَتِمُّ بِه استيعابُ ما يَقَعُ عليه الجَذرُ في المُسَجَّل: أشياءُ الأرضِ ثُمَّ ذَواتٌ ثُمَّ مَعنىً ثُمَّ مال. ويُعطَفُ على الجَمعِ «عَدَّدَه»، والعَدُّ إنَّما يَقَعُ على ما بَقِيَ آحاداً، فيُقرَأُ جَمعُه ناقِصاً: ضَمَّ ولم يَلتَحِم. انظُر المال / الأَموال.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
- مَعَ الحَشر في ٣:٢٥: السّورةُ الواحِدةُ تَحمِلُ الجَذرَينِ في
مَشهَدٍ واحِد، فيُقالُ فيها «تُحشَرونَ إلى جَهَنَّم» ويُقالُ «جَمَعناهُم لِيَومٍ». والحَرفُ هو الفارِق: «إلى» تَنتَهي إلى مَكان، واللّامُ تَنتَهي إلى وَقت.
- مَعَ الحُضور / الإحضار في ٣٦:٣٢ و٣٦:٥٣: الجُملةُ الواحِدةُ تَحمِلُ
المَفهومَين، فيُخبَرُ عن عَدَدِهِم بِالجَمعِ وعن مَوضِعِهِم بِالإحضار. وهذا أوضَحُ مَوضِعٍ يُرى فيه أنَّ الجَمعَ لا يَحمِلُ في نَفسِه مَكاناً، إذ لَزِمَه ما يَذكُرُه.
- مَعَ اليَوم في ٣:٩ و٣:٢٥ و٣:١٥٥: ثَلاثةٌ من مَواضِعِ الجَذرِ
مُعَلَّقةٌ بِاليَوم، مَرَّتَينِ «لِيَومٍ» ومَرّةً «يَومَ التَقى». فظَرفُ الجَمعِ في المُسَجَّلِ زَمانٌ لا مَكان.
- مَعَ الحَبل في ٣:١٠٣: الأمرُ بِالاعتِصامِ بِحَبلٍ واحِدٍ يَجعَلُ
الجَمعَ أثَراً لِلمُتَعَلَّقِ بِه، فلا يُطلَبُ الاجتِماعُ لِنَفسِه بَل بِواحِدٍ يُقبَضُ عليه.
- مَعَ اللَّعنة في ٢:١٦١: «أجمَعين» تُغلِقُ اللّاعِنينَ بَعدَ
سَردِهِم، فيَنقَطِعُ الرَّجاءُ في لاعِنٍ يَبقى خارِجَ الجَمع، وهو أشَدُّ ما يُصنَعُ بِاللَّعنِ في هذا المُعجَم.
- مَعَ الوَسَط في ١٠٠:٥: تَوَسُّطُ الجَمعِ يَقتَضي جِرماً لَه
داخِلٌ يُبلَغ، فيَشهَدُ المَوضِعُ لِما في الجَذرِ من التِحامٍ لا مُجَرَّدِ تَجاوُر.
- مَعَ المال / الأَموال في ٣:١٥٧ و١٠٤:٢: المَجموعُ في المَوضِعَينِ مالٌ، وفي
كِلَيهِما يُوضَعُ في كِفّةٍ يَخِفُّ فيها: مَرّةً تُقابِلُه مَغفِرةٌ ورَحمة، ومَرّةً يَتبَعُه عَدٌّ لا يَنتَهي إلى شيء.
الإشكالات المَفتوحة
- **«جَميعًا» حالاً في سَبعةِ مَواضِعَ و«جَميعٌ» خَبَراً في مَوضِعَين:
أفَرقُ إعرابٍ أم فَرقُ مَعنى؟** الجاري على قِراءةِ الجَذرِ هُنا أنَّ الحالَ تُلابِسُ فِعلاً يَقَع، والخَبَرَ يُقَرِّرُ ما استَقَرّ، ويُقَوّيه أنَّ المَوضِعَينِ المَرفوعَينِ كِلَيهِما في الآخِرةِ حَيثُ لا فِعلَ لِلمَجموعِ يُلابِسُه. ومَوضِعانِ لا يَكفِيانِ حُكماً. مَفتوح.
- **لِمَ لم يَرِدِ الجَذرُ مَبنِيّاً لِلمَجهولِ ولا مَرّةً في
المُسَجَّل؟** القِراءةُ هُنا أنَّ الالتِحامَ لا يَقَعُ من نَفسِه فيَلزَمُ ذِكرُ الجامِع. وقد اختُبِرَ عِندَ نَشرِ الإسراءِ وطه: زادَ الجَذرُ خَمسةَ مَواضِعَ لَيسَ في واحِدٍ منها بِناءٌ لِلمَجهول، فالقِراءةُ أثبَتُ. وسَقَطَ ما كانَ يُقَوّيها من جِهةِ الحَشر: كانَ الحَشرُ لا يَرِدُ إلّا مَبنِيّاً لِلمَجهولِ في ثَلاثةٍ من ثَلاثة، وهو الآنَ مَعلومُ الفاعِلِ في أربَعةٍ من ثَمانِية. فالقِراءةُ قائِمةٌ على الجَذرِ نَفسِه لا على المُقابَلة. مَفتوح.
- **«أجمَعين»: أهي عامِلةٌ عَمَلَ الجَذرِ أم لَفظٌ تَحَجَّرَ في
التَّوكيد؟** ما يُرَجِّحُ الأوَّلَ أنَّها لا تَقَعُ في المُسَجَّلِ إلّا بَعدَ مَعدودٍ مَسرودٍ بِأسمائِه، فهي تُغلِقُ سَرداً ولا تُؤَكِّدُ مُفرَداً. مَفتوح.
- **«جَمْعًا» في ١٠٠:٥: أهو اسمٌ لِلمُجتَمِعينَ كَما في «الجَمعان» أم
مَصدَرٌ؟** «فوَسَطنَ بِه» تَقتَضي جِرماً لَه وَسَط، وهو ما بُنِيَت عليه القِراءةُ هُنا. ولَو حُمِلَ على المَصدَرِ لَبَقِيَ لِلجَذرِ اسمُ عَينٍ واحِدٌ ولم تَنتَقِضِ القِراءة. مَفتوح.