المطففين · الآية 21

﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ

«يَشْهَدُهُ»: حُضورٌ يُعلَنُ ثُمَّ يَثبُت

الهاءُ في «يَشْهَدُهُ» تَعودُ إلى «كِتَابٌ» قَبلَها، فالمَشهودُ هو المَكتوب، دونَ المَوضِعِ وأصحابِه. والفِعلُ مُضارِعٌ دالٌّ على حُضورٍ مُتَجَدِّد، لا على مَجلِسٍ يَنعَقِدُ مَرّةً ثُمَّ يَنفَضّ.

والشَّهادةُ في حُروفِها حُضورٌ يَنتَشِرُ ويُعلَنُ بِنَفَسٍ ثُمَّ يَثبُتُ في مَوضِعِه، فالشّاهِدُ مَن حَضَرَ فرَأى فقَدَرَ على الإخبار، زِيادةً على أنَّه عَلِم. والكِتابُ الذي وُصِفَ بِأنَّه «مَّرْقُومٌ» لا يَبقى مَطوِيّاً على نَفسِه، فلَه أثَرٌ يَثبُتُ فيه، وحُضورٌ يَثبُتُ عَلَيه.

«الْمُقَرَّبُونَ»: اسمُ مَفعولٍ يُقابِلُ اسمَ مَفعول

و«الْمُقَرَّبُونَ» اسمُ مَفعولٍ من «قَرَّبَ»، وأوثِرَ على «القارِبون» و«المُقتَرِبون»، فالتَّقريبُ واقِعٌ بِهِم، والقُربُ مَوهوبٌ لا مَأخوذ. وبِهذا يُقابِلونَ «لَّمَحْجُوبُونَ» في هذه السّورةِ نَفسِها صيغةً بِصيغة، فالفِعلُ في الجِهَتَينِ يَقَعُ بِأصحابِه، وهو هُنا رَفعُ البَينِ وهُناكَ إقامَتُه.

وأصلُ القُربِ في حُروفِه دُنُوٌّ يَلتَئِمُ في العُمقِ ثُمَّ يَتَّصِلُ فيَمنَعُ البَين، ومِنه «القِربةُ»، يَلتَصِقُ جِلدُها بِما فيها فلا يَبقى بَينَهُما فُرجة، فالمُقَرَّبُ مَن رُفِعَت عنه المَسافة، والمَحجوبُ مَن قامَت دونَه. وتَعودُ الكَلِمةُ في السّورةِ بَعدَ سَبعِ آيات: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾، فهُم يَشهَدونَ ثُمَّ يَشرَبون.

زِيادةٌ لم تَقَعْ في الشَّطرِ الآخَر

وهُنا تَنكَشِفُ الفَجوةُ بَينَ الشَّطرَين، فالجَوابُ عن سِجّينٍ انتَهى عِندَ «كِتَابٌ مَّرْقُومٌ» ولم يُزَدْ عَلَيه، والجَوابُ عن عِلِّيّينَ زيدَت عَلَيهِ جُملةٌ كامِلة. وفاصِلةُ الآيةِ تَدُلُّ على ذلك أيضاً: «عِلِّيِّينَ»، ثُمَّ «عِلِّيُّونَ»، ثُمَّ «مَّرْقُومٌ»، ثُمَّ «الْمُقَرَّبُونَ»، فتَعودُ النّونُ التي انقَطَعَت، والكِتابانِ مُتَماثِلان، وأحَدُهُما وَحدَه لَه مَن يَحضُرُه.


حَصيلة

الهاءُ في «يَشْهَدُهُ» تَعودُ إلى الكِتاب، فالمَشهودُ هو المَكتوبُ نَفسُه، والفِعلُ مُضارِعٌ يُجَدِّدُ الحُضورَ ولا يَقطَعُه. والشَّهادةُ حُضورٌ يُعلَنُ ثُمَّ يَثبُت، ومَن حَضَرَ ورَأى قَدَرَ على الإخبار، فلِلكِتابِ أثَرٌ يَثبُتُ فيه، وحُضورٌ يَثبُتُ عَلَيه. و«الْمُقَرَّبُونَ» اسمُ مَفعول، فالتَّقريبُ واقِعٌ بِهِم غَيرُ صادِرٍ عنهُم، وهُم يُقابِلونَ «لَّمَحْجُوبُونَ» في هذه السّورةِ صيغةً بِصيغة، فأُولئِكَ قامَ البَينُ دونَهُم، وهؤُلاءِ رُفِعَ عنهُم. ثُمَّ تَنكَشِفُ الزِّيادة، فالجَوابُ عن الطَّرَفِ الأوَّلِ انتَهى عِندَ الكِتاب، وهذا الجَوابُ زيدَ عَلَيهِ مَن يَحضُرُه، وعادَت فيه النّونُ التي انقَطَعَت في «مَّرْقُومٌ»، فهُما كِتابانِ مُتَماثِلانِ حَرفاً بِحَرف، وأحَدُهُما وَحدَه مَشهود.