المطففين · الآية 22

﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ

«إِنَّ الْأَبْرَارَ»: يَنتَقِلُ الخَبَرُ من الصَّحيفةِ إلى صاحِبِها

ثَلاثَ مَرّاتٍ يَنزِلُ في هذه السّورةِ قالَبٌ واحِد: «إنَّ» ثُمَّ اسمٌ ثُمَّ «لَفي» ثُمَّ مَوضِع. مَرَّتانِ كانَ الاسمُ كِتاباً: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ ثُمَّ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾. وفي الثّالِثةِ يَسقُطُ المُضافُ ويَبقى المُضافُ إليه وَحدَه.

فما كانَ خَبَراً عن صَحيفةٍ صارَ خَبَراً عن أهلِها. الصَّحيفةُ في عِلِّيّين، وهُم في نَعيم. وبَينَ الجُملَتَينِ خُطوةٌ واحِدة: أن يُقالَ عن الرَّجُلِ ما قيلَ عن كِتابِه.

و«الأبرار» من ب-ر-ر: انفِتاحٌ يَخرُجُ فيَجري ولا يَقِفُ عِندَ ساحِل، كَالبَرِّ المَبسوطِ في مُقابِلِ البَحرِ المَحصورِ بَينَ شاطِئَيه. مَن كانَ هذا وَصفَه لم يَكُنْ لِعَطائِه حافَّةٌ يَرتَدُّ عِندَها.

«لَفِي نَعِيمٍ»: ظَرفٌ يُحيط، لا عَطاءٌ يُقبَضُ في يَد

لم تَقُلِ الآيةُ «لَهُم نَعيم». قالَت «لَفي نَعيم». والفَرقُ بَينَ الحَرفَينِ فَرقُ ما بَينَ كَفٍّ تَنطَبِقُ على شَيءٍ وجَوٍّ يَنطَبِقُ على صاحِبِه.

والنَّعيمُ من ن-ع-م: عَطاءٌ يَنبَعِثُ من العُمقِ فيَنزِلُ لَيِّناً ويَستَقِرُّ ويَستَوعِبُ مَن نَزَلَ عَلَيه، ومِن هذا الأصلِ نُعومةُ المَلمَس. فهو ما يُغمَرُ فيه لا ما يُحمَلُ مَعَه.

ثُمَّ هي نَكِرة: «نَعيمٍ» بِلا أداةِ تَعريف. لا يُحَدُّ بِحَدٍّ ولا يُشارُ إليه بِعَينِه، وسَيَعودُ بَعدَ آيَتَينِ مُعَرَّفاً حينَ يُقرَأُ أثَرُه على الوُجوه.


حَصيلة

يَنزِلُ القالَبُ ثالِثَ مَرّةٍ في السّورةِ ويَتَغَيَّرُ المُخبَرُ عنه: كانَ كِتاباً فصارَ أهلَ الكِتاب. و«الأبرار» من ب-ر-ر انفِتاحٌ يَخرُجُ ويَجري ولا يَنتَهي إلى ساحِل، و«لَفي نَعيمٍ» ظَرفٌ لا مِلك: ن-ع-م عَطاءٌ يَنزِلُ لَيِّناً فيَستَوعِبُ مَن نَزَلَ عَلَيه. فالذي لم يَحبِسْ سَعَتَه عن أحَدٍ يُحاطُ بِسَعةٍ لا يَبلُغُ حافَّتَها، وتُترَكُ الكَلِمةُ الأخيرةُ نَكِرةً فيَبقى المِقدارُ مَفتوحاً كما بَقِيَ صاحِبُه.