الطارق · الآية 12
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
القَسَمُ المُزدَوَج: السَّماءُ والأرضُ
السورةُ تَفتَحُ نِصفَها الثاني بِقَسَمَين مُتَتالِيَين على نَسَقٍ واحِد: «والسَّماءِ ذاتِ الرَّجع، والأرضِ ذاتِ الصَّدع». اثنانِ يَتَكامَلانِ تَكامُلَ السَّقفِ والقَرار. السَّماءُ في الأَعلى ذاتُ حَرَكَةٍ تَرجِع، والأرضُ في الأَسفَلِ ذاتُ حَرَكَةٍ تَنفَتِح.
وكِلتاهُما عُرِّفَت بِـ«ذات». الإضافَةُ تَجعَلُ كُلَّ واحِدَةٍ من الاثنَين مُتَلَبِّسَةً بِخاصِّيَّتِها. السَّماءُ تَرجِعُ بِنَفسِها، والأرضُ تَصدَعُ بِنَفسِها. لا فاعِلَ خارِجَهُما يَفرِضُ علَيهما هذه الحَرَكَة، بَل هِيَ في صَميمِهِما.
«الصَّدع»: الانفِتاحُ بَعدَ الالتِئام
الجِذرُ ص-د-ع يَجمَعُ كلَّ شَقٍّ يَنفَتِحُ في ما كانَ مُلتَئِماً. الأرضُ تَصدَعُ في صُوَرٍ كَثيرَة: تَصدَعُ بالنَّباتِ يَخرُجُ منها، تَصدَعُ بالماءِ يَنبُعُ منها، تَصدَعُ بالحَرَكَةِ الزِّلزاليَّةِ، تَصدَعُ بالمَيِّتِ يُوَدَّعُ فيها، تَصدَعُ يَومَ يَخرُجُ ما فيها بَعدَ كُمون.
والقُرّاءُ في تَفسيرِ هذه الآيةِ تَعَدَّدَت أَقوالُهم: شَقُّ الأرضِ بالنَّباتِ، شَقُّها بالحَوادِث، شَقُّها يَومَ تَفتَحُ ما فيها. ولا تَتَعارَضُ هذه القِراءاتُ. الجِذرُ نَفسُه يَحمِلُها كلَّها. والآيةُ تَترُكُ المَعنى مَفتوحاً تَحتَ صورَةٍ واحِدَة: شَقٌّ يَنفَتِحُ في ما كانَ مُلتَئِماً.
السَّماءُ تَرجِعُ والأرضُ تَصدَعُ: تَكامُلُ الحَرَكَتَين
الحَرَكَتانِ مُتَكامِلَتان. ما يَرجِعُ إلى السَّماءِ ثمَّ يَنزِلُ منها، يَنزِلُ على أرضٍ تَستَقبِلُه. وما يَخرُجُ من الأرضِ يَخرُجُ من شَقٍّ تَفتَحُه. الرَّجعُ والصَّدعُ يَلتَقيانِ في كلِّ ما يَتَجَدَّدُ من حَياة. القَسَمُ بِما يَجري بَين السَّقفِ والقَرارِ يُهَيِّئُ السَّمعَ لِما يَأتي بَعدَ القَسَمِ من جَواب.
والآيَتانِ التاليَتان تَأتيانِ بِجَوابِ القَسَم. القَسَمُ في الآيتَين 11 و12 بِالسَّماءِ والأرض، يَأتي جَوابُهما في الآيتَين 13 و14: «إنَّه لَقَولٌ فَصل، وما هو بِالهَزل». السَّماءُ التي تَرجِع، والأرضُ التي تَصدَع، يَجوَزانِ على القَولِ الذي يَفصِل. ما يَنزِلُ على هذا الكَونِ من قَولٍ هو نَفسُه فاصِلٌ كَفَصلِ السَّماءِ بَين عُلوِها ونُزولِها، وكَفَصلِ الأرضِ بَين الْتِئامِها وانفِتاحِها.
حَصيلة
يُكمِلُ القَسَمُ الثاني ثُنائيَّتَه: وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾. السماءُ ذاتُ الرجع، والأرضُ ذاتُ الصدع. «ذات» للاثنتَين تجعلُ الخاصيَّةَ ذاتيّةً ملازمةً لا عارضة. «الصدع» من -ص-د-ع- شقٌّ ينفتحُ في ما كانَ مُلتئماً: انصدعَ الجدارُ انفلقَ، وصدَّعَ الفجرُ الظلمةَ شقَّها بضوئِه، وتصدَّعَت الأرضُ فتحَت عن ما فيها. الأرضُ في حياتِها اليوميّةِ تصدعُ بالنباتِ يخرجُ منها وبالماءِ ينبعُ منها، وتصدعُ يومَ تفتحُ عن ما فيها في الكبرى. والقسمانِ معاً يرسُمانِ تكاملَ السقفِ والقرار: ما يرجعُ إلى السماءِ ينزلُ على أرضٍ تصدعُ لتلقِّيه، وما يخرجُ من الأرضِ يشقُّ سطحَها. حركتانِ تلتقيانِ في كلِّ تجدُّدِ حياة. والقسمُ بهما يُهيّئُ السمعَ لجوابِ القسمِ في الآيتَين التاليتَين.