الطارق · الآية 11

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ

القَسَمُ الثاني: السَّماءُ بِصِفَةٍ جَديدَة

كانَ القَسَمُ في الآيةِ الأُولى بـ«السَّماءِ والطّارِق»، فجاءَتِ السَّماءُ في صِنفِها العام، وتُعيدُ هذه الآيةُ القَسَمَ بها مَع تَخصيصٍ جَديد: «ذاتِ الرَّجع». وما كُلُّ ما في السَّماءِ يَلفِتُ إلى هذه الصِّفَةِ بالضَّرورَة، غَيرَ أنَّ الآيةَ تُسَلِّطُ الضَّوءَ علَيها هنا بَعدَ أن سَبَقَ ذِكرُ «رَجع» الإنسان.

ويَفتَحُ القَسَمُ الجَديدُ نِصفاً ثانياً للسورَة، فالنِّصفُ الأَوَّلُ بَدَأَ بِسَماءٍ ونَجمٍ ثاقِب، ثمّ تَناوَلَ النَّفسَ والإنسانَ والرَّجعَ والسَّرائِر، والنِّصفُ الثاني يَبدَأُ بِسَماءٍ ذاتِ رَجع، ثمَّ يَتَناوَلُ الأَرضَ والقَولَ الفَصل، والمُقابَلَةُ بَينَهما بِنيَويَّة.

«ذاتِ الرَّجع»: الصِّفَةُ الذَّاتيَّة

و«ذات» في العربيّةِ تَدُلُّ على صاحِبَةِ الصِّفَة، فـ«ذاتُ مالٍ» صاحِبَةُ مال، و«ذاتُ خَلقٍ حَسَن» صاحِبَةُ خَلقٍ حَسَن. والإضافَةُ تَجعَلُ الصِّفَةَ مُلتَصِقَةً بالمَوصوفِ التِصاقاً ذاتِيّاً، كأنَّها تَوَلَّدَت منه ولم تُلصَق به.

والمُرادُ بـ«السَّماءُ ذاتُ الرَّجع» السَّماءُ التي خاصِّيَّتُها الرَّجع، والجِذرُ نَفسُه يَحمِلُ كلَّ صورَةٍ من هذا النَّوع، أي الحَرَكَةَ التي تَخرُجُ ثمَّ تَرتَدُّ إلى مَبدَئها: ما يَصعَدُ فيَنزِل، وما يَدورُ فيَعود، وما يَمضي فيَرجِع في مَوعِدِه. وتَترُكُ الآيةُ المَعنى مَفتوحاً تَحتَ الجِذر، دونَ تَعيينِ صورَةٍ واحِدَةٍ تُلغي غَيرَها، والسَّماءُ كلُّها مَلأى بِحَرَكاتٍ من هذا النَّوع، فهي «ذاتُ رَجع».

صَدى «الرَّجع» بَين الآيَتَين 8 و11

ظَهَرَ الجِذرُ ر-ج-ع في الآيةِ الثامِنَة في قَولِه: إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾، ويَعودُ هنا في صِفَةِ السَّماءِ: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾، فالكَلِمَةُ نَفسُها في المَوضِعَين، والمَحَلُّ مُختَلِف، ففي الأوَّلِ رَجعُ الإنسان، وفي الثاني رَجعُ السَّماء.

والتَّوازي بَينَهما مَقصود، فالقُدرَةُ التي تَرجِعُ الإنسانَ هي القُدرَةُ التي تَرجِعُ ما في السَّماء، والسَّماءُ ذاتُ رَجعٍ بِالطَّبع، والإنسانُ ذو رَجعٍ بِالقَدَر. ومَن أَلِفَ صورَةَ السَّماءِ في يَومِيَّاتِه أَلِفَ صورَةَ الرَّجعِ في نَفسِه. والسَّماءُ مَدرَسَةٌ تَتَدَرَّبُ فيها العَينُ على ما يَجري في الذّات.


حَصيلة

قسَمٌ ثانٍ يفتتحُ نصفَ السورةِ الثاني، تعودُ فيه السماءُ، غَيرَ أنَّ صِفَتَها تَتَغَيَّر: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾. و«ذات» تجعلُ الصفةَ مُلتصقةً بالموصوفِ التصاقاً ذاتيّاً كأنّها توَلَّدَت منه. و«الرَّجع» من -ر-ج-ع- الحركةُ التي تخرجُ ثمّ ترتدُّ إلى مبدئِها، والجذرُ نفسُه عادَ من الآيةِ الثامنة حيثُ وُصفَت القدرةُ على رجعِ الإنسان، ويعودُ هنا وصفاً للسماء. والسماءُ ذاتُ رجعٍ بالطبع، فكلُّ ما يَصعَدُ فيها فيَنزِل، وما يَدورُ فيها فيَعود، وهو رجعٌ مستمرٌّ تحتَ الجِذرِ الواحد. والقسمُ بها بعدَ ذكرِ القدرةِ على رجعِ الإنسان يُقيمُ تَوازِياً، فمن أَلِفَ صورةَ الرجعِ في السماءِ في يومِيّاتِه أَلِفَ صورةَ الرجعِ في نفسِه، والسماءُ مدرسةٌ تتدرَّبُ فيها العينُ على ما يجري في الذات.