الأعلى · الآية 10
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«سَيَذَّكَّر»: استِحضارٌ يَطلُبُهُ المُتَذَكِّر
الفِعلُ «يَذَّكَّر» في الأَصلِ «يَتَذَكَّر»، أُدغِمَتِ التاءُ في الذَّالِ تَخفيفاً. الصِّيغَةُ تَفَعَّل تَدُلُّ على فِعلٍ يَطلُبُه الفاعِلُ بِنَفسِه. لا «سَيُذَكَّر» (يُذَكِّرُهُ غَيرُه)، بَل «سَيَذَّكَّر» (هو الذي يَتَذَكَّر). الذِّكرى التي أُلقيَت عَلَيه في الآيَةِ السابِقَةِ صارَت في هذه الآيَةِ فِعلاً يَفعَلُه هو في نَفسِه.
والسِّينُ تَستِقبالٌ مُؤَكَّد. لا «يَتَذَكَّرُ مَن يَخشى» في المُضارِع، بَل «سَيَذَّكَّرُ» في الاستِقبال. الوَعدُ مَبسوطٌ على الزَّمَنِ القادِم. مَن قامَت في قَلبِه الخَشيَةُ، يَتَذَكَّرُ في وَقتٍ يَنفَعُهُ التَّذَكُّر. والذِّكرى لا تَنفَدُ بِأَوَّلِ سَماع.
«مَن يَخشى»: خَوفٌ مَعَ تَعظيم
الجذرُ خ-ش-ي في العربيّةِ يَتَمَيَّزُ عن الجذرِ خ-و-ف. الخَوفُ خَوفٌ مُطلَق، يَكونُ مِن أَيِّ مَخوف. أَمّا الخَشيَةُ فخَوفٌ يَعرِفُ مَوضوعَه، يَلتَزِمُ بِتَعظيمِ مَن يَخاف. ومنه قَولُ العَرَبِ «خَشيتُ الأَمرَ» إذا عَلِمتَهُ ثُمَّ خِفتَهُ، و«الخَشيَة» في القُرآنِ غالِباً مَوضوعُها اللَّهُ تَعالى أَو ما يُؤدّي إلَيه. وفي البَقَرَة وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ تَستَقبِلُ آياتُ التَّقوى ما تُسَمّيهِ هذه الآيَةُ خَشيَة.
والمَوصولَةُ «مَن» تَفتَحُ البابَ على كلِّ مَن وَقَعَت في قَلبِه. لا تَخصيصَ بِمُؤمِنٍ أَو غَيرِه، صَغيرٍ أَو كَبير. مَن قامَت فيه الخَشيَة، صارَ مُهَيَّأً لاستِقبالِ الذِّكرى. والخَشيَةُ نَفسُها لَيسَت ضَعفاً، بَل اعتِرافاً بِما هو فَوقَ القَلب.
شَرطُ القَلبِ المُهَيَّأ
تَكشِفُ الآيةُ شَرطاً يُكَرِّرُهُ الكِتابُ في صُوَرٍ شَتّى. القَلبُ المُهَيَّأُ هو الذي يَنتَفِعُ بِالذِّكرى، والقَلبُ المُغلَقُ يَمضي بِغَيرِ التِفات. وَالشَّرطُ هُنا ليسَ ثَقافِيّاً ولا اجتِماعيّاً، بَل قَلبيّ. ومَن أَدرَكَ أَنَّ الخَشيَةَ شَرطُ التَّذَكُّر، عَرَفَ أَنَّ ما يُذَكَّرُ بِه يَنزِلُ في مَوضِعٍ مُهَيَّأٍ في الذَّاتِ نَفسِها.
والقارئ، إذ يَنطُقُ هذه الآيَةَ، يَستَفسِرُ نَفسَهُ: هَل في قَلبي هَذِه الخَشيَة؟ السورَةُ لا تُحَدِّدُ مَن يَخشى ومَن لا يَخشى مِنَ الخارِج، بَل تَترُكُ السُّؤالَ في يَدِ مَن يَنطُقُها. مَن سَأَلَ نَفسَه، فَتَحَ بابَ الجَواب. ومَن مَضى، أَجابَت عَنه الآيَةُ التَّاليَة.
حَصيلة
يتفرَّعُ الطرفُ الأوّلُ من شرطِ الآيةِ السابقة: سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ﴾. «يَذَّكَّرُ» أصلُه «يَتَذَكَّرُ» أُدغمَت التاءُ في الذال: صيغةُ تَفَعَّلَ تدلُّ على استحضارٍ يطلبُه المتذكِّرُ من نفسِه؛ لا تنزلُ الذكرى عليه قَهراً بل يستقبلُها بجُهد. والسينُ تأكيدٌ مبسوطٌ على الزمنِ القادم: وعدٌ لا تنفدُ الذكرى فيه بأوّلِ سماع. «مَن يَخشى» من -خ-ش-ي- خوفٌ مع تعظيم، ليسَ خوفاً مطلقاً بل خوفَ من يعرفُ من يخاف. والموصولةُ «مَن» تفتحُ البابَ على كلِّ من قامَت في قلبِه هذه الخشيةُ بغضِّ النظرِ عن اسمِه أو قربِه. الشرطُ هنا ليسَ شرطَ علمٍ ولا ذكاءٍ بل شرطُ خشية: من خافَ عرفَ موضعَه من المخوفِ منه وانفتحَ على ما يُذَكَّرُ به. والآيةُ التاليةُ تفتحُ الطرفَ الآخر.