الفجر · الآية 4

﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ

«وَاللَّيْلِ»: قَسَمٌ بِما يُلِفُّ ويَستُر

الواوُ هنا واوُ القَسَم، تَصِلُ اليَمينَ بِما قَبلَها من المُقسَماتِ فتَجعَلُ اللَّيلَ شاهِداً مَع غَيرِه. والجِذرُ ل-ي-ل يَدورُ على ما يَتَعَلَّقُ ويَمتَدُّ في لينٍ حتّى يَلتَفَّ على ما تَحتَه فيَستُرَه. فاللَّيلُ غِطاءٌ يُسبَلُ على الأرضِ، يَلُفُّ السائِرَ والمُقيمَ في طَيٍّ واحِد، لا يَقطَعُ بِحَدٍّ بل يَنحَدِرُ مُتَّصِلاً حتّى يَعُمّ.

والقَسَمُ بِاللَّيلِ قَسَمٌ بِزَمَنٍ يُرى أثَرُه ولا تُمسَكُ يَدُه: ظُلمةٌ تَنبَسِطُ فتَسكُنُ تَحتَها الحَرَكاتُ وتَأوي الأنفُسُ إلى مَأواها. وهو في نَفسِ الوَقتِ سِترٌ يَحجُبُ، وحِضنٌ يَأوي، فالمُقسَمُ بِه ليس عَدَماً ولا فَراغاً، بل حُضورٌ ثَقيلٌ يُحَسُّ في الصَّدرِ كما يُحَسُّ على البَصَر.

«إِذَا يَسْرِ»: لَيلٌ لا يَثبُتُ بل يَمضي

«إِذا» ظَرفٌ يُعَلِّقُ القَسَمَ بِحالٍ بِعَينِها: لا بِاللَّيلِ مُطلَقاً، بل بِاللَّيلِ في لَحظَةِ مُضِيِّه. والجِذرُ س-ر-ي هو السَّيرُ في اللَّيلِ خاصّةً، جَريانٌ يَمتَدُّ ويَلتَئِمُ في خَفاءٍ لا يُحَسُّ له وَقعٌ. فاللَّيلُ هنا ليس واقِفاً عَلَينا، بل هو نَفسُه سائِرٌ، يَمضي كأنَّه راكِبٌ يَقطَعُ الطَّريقَ في صَمتٍ نَحوَ صُبحٍ آتٍ.

وحُذِفَت الياءُ من «يَسري» فبَقِيَ «يَسرِ»، كأنَّ اللَّفظَ نَفسَه يَنحَسِرُ ويَنطَوي مَع انحِسارِ اللَّيلِ وانطِوائِه. فالمُقسَمُ بِه هَيئَةٌ مُتَحَرِّكةٌ لا سُكونٌ: السِّترُ الذي يَلُفُّ هو نَفسُه السِّترُ الذي يَرتَحِل. والذي يُصغي يَجِدُ في القَسَمِ تَذكيراً بِأنَّ أعظَمَ ما يُحيطُ بِالإنسانِ ساكِنُه ماضٍ، يَلُفُّه ثُمَّ يُسلِمُه إلى ما بَعدَه.


حَصيلة

يُقسِمُ القَسَمُ بِاللَّيلِ، والجِذرُ ل-ي-ل تَعَلُّقٌ يَمتَدُّ في لينٍ فيَلتَفُّ على ما تَحتَه ويَستُرُه: غِطاءٌ يُسبَلُ، حِضنٌ يَأوي وسِترٌ يَحجُب. ثُمَّ يُقَيَّدُ القَسَمُ بِحالٍ: «إذا يَسرِ»، والجِذرُ س-ر-ي جَريانٌ يَمتَدُّ في خَفاءٍ، سَيرٌ في اللَّيلِ لا وَقعَ له. فالمُقسَمُ بِه ليس اللَّيلَ ساكِناً بل اللَّيلَ ماضِياً، سِترٌ يَلُفُّ ثُمَّ يَرتَحِلُ نَحوَ صُبحٍ. وفي حَذفِ الياءِ من «يَسرِ» يَنطَوي اللَّفظُ كما يَنطَوي اللَّيل: قَسَمٌ بِأعظَمِ ما يُحيطُ، وهو مَع ذلك زائِلٌ يُسلِمُ إلى ما بَعدَه.