البلد · الآية 18

﴿أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ

«أُولَٰئِكَ»: إشارةٌ تَجمَعُ وتُبعِد

«أُولَٰئِكَ» إشارةٌ إلى جَماعةٍ بَعيدةٍ مَرفوعةٍ في المَنزِلة. وقَعَتِ الإشارةُ على مَن سَبَقَ ذِكرُهم في الآياتِ قَبلَها: الذين اقتَحَموا العَقَبةَ، فَكّوا رَقَبةً وأطعَموا في يَومِ مَسغَبةٍ وتَواصَوا بِالصَّبرِ والمَرحَمة. فجاءَتِ «أُولَٰئِكَ» لِتَجمَعَ هؤلاءِ في صَفٍّ واحِدٍ بَعدَ تَعدادِ أفعالِهم، وتُشيرَ إليهم إشارةَ التَّمييزِ والرَّفع.

والإبعادُ في «أُولَٰئِكَ» عُلُوُّ المَرتَبةِ ووُضوحُها، لا البُعدُ في المَكان: فهؤلاءِ هُمُ المُتَمَيِّزونَ المَعروفونَ بِما عَمِلوا. والإشارةُ تَفصِلُهم عَمّا سِواهم، وتُمَهِّدُ لِما يُسنَدُ إليهم مِن صِفةٍ تُحَدِّدُ جانِبَهم ومَوقِعَهم.

«أَصْحَابُ»: مُلازَمةٌ تُمسِكُ ولا تُفارِق

والجِذرُ ص-ح-ب يَدورُ على المُلازَمةِ الثابِتةِ والاحتِواءِ الذي لا يَنفَكّ. والصاحِبُ مَن لَزِمَ شَيئاً فأمسَكَ بِه وأمسَكَه، حتّى صارَ مَنسوباً إليه. وأصحابُ الشَّيءِ أهلُه المُلازِمونَ له، الذين عُرِفوا بِه فلا يُذكَرُ إلّا ويُذكَرونَ مَعَه، فالصُّحبةُ هنا انتِماءٌ راسِخٌ يَجعَلُ الجَماعةَ والمَوصوفَ بِها شَيئاً واحِداً، لا مُجاوَرةٌ عابِرة.

ولذلك كانَ في «أصحابُ المَيمَنة» إثباتُ مُلازَمةٍ دائِمة: هؤلاءِ لَزِموا جانِبَ اليُمنِ فلَزِمَهم، وصاروا أهلَه المَعروفينَ بِه. والمَيمَنةُ مُستَقَرٌّ يُنسَبونَ إليه نِسبةَ الأهلِ إلى دارِهم، لا حالٌ يَطرَأُ عليهم ثُمَّ يَزول.

«الْمَيْمَنةِ»: جِهةُ اليُمنِ والبَرَكة

والجِذرُ ي-م-ن يَجمَعُ بَين اليَدِ اليُمنى والجانِبِ الأيمَنِ والبَرَكةِ واليُمن. واليَمينُ في كلامِ العَربِ هي الجِهةُ التي يُؤخَذُ بها ويُعطى، جِهةُ القُوّةِ والتَّكريمِ والفَألِ الحَسَن، وما كانَ عَن يَمينٍ فهو مَيمونٌ مُبارَك. فالمَيمَنةُ مَوضِعُ اليُمنِ وجِهَتُه، الجانِبُ الذي يَقتَرِنُ بِالبَرَكةِ والرِّفعة.

فأصحابُ المَيمَنةِ هُمُ المَنسوبونَ إلى هذا الجانِبِ المُبارَك، الذين أفضَت أعمالُهم المَذكورةُ بهم إلى جِهةِ اليُمن. وهذا الوَصفُ يَقَعُ في مَوضِعِ الجَزاءِ بَعدَ مَوضِعِ العَمَل: مَن اقتَحَمَ العَقَبةَ صَعوداً صارَ مِن أهلِ الجِهةِ التي يَقتَرِنُ بها اليُمنُ والبَرَكة، في مُقابِلِ مَن يُنسَبُ إلى الجِهةِ الأُخرى.


حَصيلة

وتُشيرُ «أُولَٰئِكَ» إلى مَن سَبَقَ تَعدادُ أفعالِهم، فتَجمَعُهم في صَفٍّ مُتَمَيِّزٍ مَرفوعٍ وتَفصِلُهم عَمّا سِواهم. ثُمَّ يُسنَدُ إلَيهِم وَصفٌ من كَلِمَتَين: «أصحابُ» من ص-ح-ب، مُلازَمةٌ تُمسِكُ فلا تُفارِق، فهُم أهلُ هذا الجانِبِ المَعروفونَ بِه؛ و«المَيمَنة» من ي-م-ن، جِهةُ اليُمنِ والبَرَكةِ والتَّكريم. فالآيةُ تَعقِدُ بَينَ العَمَلِ الصاعِدِ والجَزاءِ نِسبةً ثابِتة: الذين اقتَحَموا العَقَبةَ لَزِموا جانِبَ اليُمنِ فلَزِمَهم، فصاروا أهلَه نِسبةَ الأهلِ إلى دارِهم.