البلد · الآية 19

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ

«كَفَروا بآياتِنا»: تَغطيةٌ على ما يَدُلّ

والجِذرُ ك-ف-ر يَدورُ على السَّترِ والتَّغطية. فالكافِرُ في أصلِ اللفظِ مَن يَستُرُ شيئاً ويَطمِرُه، ومنه قيلَ لِلَّيلِ إذا غَطّى ما تَحتَه، ولِلزّارِعِ إذا وارى الحَبَّ في الأرض. والكُفرُ بِالآياتِ من هذا الأصل: أن تُغَطّى الآيةُ وهي حاضِرَة، لا أن تَغيبَ، فيَضَعَ المَرءُ على الدَّليلِ سِتراً يَحجُبُ دَلالتَه عن نَفسِه.

و«آياتِنا» عَلاماتٌ تَدُلُّ على ما وَراءَها، شَواهِدُ مَنصوبةٌ لِتُقرَأ. فمَن «كَفَرَ بها» رَدَّ دَلالتَها وقَطَعَ الصِّلةَ بَينَها وبَين ما تُشيرُ إليه، ولم يَقتَصِرْ على إنكارِ وُجودِها. والسورةُ قَبلَ هذا ذَكَرَت طَريقاً ذا عَقَبةٍ ومَن اقتَحَمَها، فالكُفرُ بِالآياتِ هنا هو الوَجهُ المُقابِلُ: إعراضٌ عَن العَلامةِ التي تَهدي إلى الطَّريق.

«هُم أصحابُ المَشأمَة»: مُلازَمةُ الجانِبِ الأشأَم

و«أصحاب» من ص-ح-ب، وهي المُلازَمةُ والمُرافَقة، والصاحِبُ مَن لَزِمَ الشَّيءَ فلم يُفارِقْه حتّى صارَ مَنسوباً إليه. والقَومُ هنا مُلازِمونَ لِلمَشأَمةِ مَنسوبونَ إليها، كما يُنسَبُ الصاحِبُ إلى صاحِبِه، لا مارّونَ بِها مُروراً. وهذه النِّسبةُ تَجعَلُ الجانِبَ الذي هُم فيه وَصفاً لازِماً لهم، لا حالاً عابِرة.

و«المَشأَمة» من ش-أ-م: جِهةُ الشِّمالِ والجانِبُ الأيسَر، ومنها «الأَشأَم» لِما يُتَطَيَّرُ منه ويُساءُ به الظَّنّ. فالمَشأَمةُ جانِبٌ واحِدٌ يَجمَعُ مَعنَيَين: مَوضِعَ اليَسارِ وثِقَلَ ما يُؤخَذُ من جِهَتِه. ومَن أُضيفَ إلى هذا الجانِبِ فقد قُرِنَ بِما يَنشَأُ عَنه، كأنَّ التَّغطيةَ على الآياتِ قَدَّمَتْهم إلى الجِهةِ التي تُؤخَذُ منها العاقِبةُ الثَّقيلة.


حَصيلة

وتَصِفُ الآيةُ مَن كَفَرَ بِالآيات: ك-ف-ر سَترٌ وتَغطية، فالكُفرُ بِالعَلاماتِ تَغطيةٌ عليها وهي حاضِرَةٌ ورَدٌّ لِدَلالَتِها لا إنكارٌ لِوُجودِها. وجَزاؤُهم نِسبةٌ لازِمة: «أصحاب» من ص-ح-ب مُلازَمةٌ تَجعَلُ الوَصفَ مَنسوباً إليهم، و«المَشأَمة» من ش-أ-م الجانِبُ الأيسَرُ الذي يُؤخَذُ منه الثَّقيل. فمَن غَطّى العَلامةَ الهادِيَةَ قُرِنَ بِالجِهةِ التي تُؤخَذُ منها العاقِبَة، وصارَ مُلازِماً لها لا مارّاً بها.