الشمس · الآية 7

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا

«نَفسٍ» مُنَكَّرَةً: كلُّ نَفسٍ مَخصوصَةٌ بهذا القَسَم

والتَّنكيرُ في «نَفسٍ» أداةُ تَعميمٍ بَلاغِيٍّ في العَرَبِيّة، وليسَ عن قُصور، فهو يَجعَلُ المَنكورَ شامِلاً لِكُلِّ فَردٍ يَصدُقُ عَلَيه الاسم. فحينَ تَقولُ العَرَب: «رُبَّ كَلِمةٍ هَدَمَت»، تَعني كُلَّ كَلِمةٍ من جِنسِ ذلك، وحينَ تَقولُ السّورةُ «وَنَفسٍ وَما سَوّاها»، تَعني كُلَّ نَفسٍ سُوِّيَت، أيّاً كانَت.

والقارِئُ حينَ يَنطِقُ هذه الآيةَ يَجِدُ نَفسَه داخِلَ القَسَم، فلا يَستَطيعُ أن يَقول: هذا قَسَمٌ على غَيري، والقَسَمُ على نَفسِه التي يَتَكَلَّمُ بِها. والآيةُ تَفعَلُ هذا الفِعلَ بِغَيرِ تَوَجُّهٍ بِضَميرِ المُخاطَب، والتَّنكيرُ يَكفي لِيَحبِسَ كُلَّ سامِعٍ في إطارِ القَسَم.

«سَوّاها»: الإقامَةُ على نِسَبٍ مَحفوظَة

و«سَوَّى» بِتَضعيفِ الواو على صيغةِ التَّكثيرِ والمُبالَغة، أي تَسوِيةٌ تَتَّسِعُ على كُلِّ جُزءٍ من النَّفس، وتُقيمُ النِّسَبَ بَينَ كُلِّ ما فيها، زِيادةً على أصلِ التَّسوِية. والمُسَوّى هو الذي وُضِعَت أجزاؤه على نَسَقٍ مَحفوظٍ بِحَيثُ يَستَوي ولا يَميلُ إلى جانِبٍ على حِسابِ آخَر.

والنَّفسُ المُسَوّاةُ في الآيةِ نَفسٌ بُنِيَت بِنِسَبٍ بَينَ قُواها: قُوّةُ الإدراكِ ضِدَّ قُوّةِ الانفِعال، وقُوّةُ الشَّهوةِ ضِدَّ قُوّةِ الإمساك، وقُوّةُ الاستِجابةِ ضِدَّ قُوّةِ التَّأنّي، وكُلُّ ضِدَّينِ فيها مُتَوازِنانِ بِنِسبة، ولو رَجَحَت إحدى الكِفَّتَينِ على الأُخرى لانفَصَمَتِ النَّفسُ عن نَفسِها. وفي هذا التَّسوِيةِ المُحكَمةِ مَوضِعٌ لِكُلِّ ما سيَنزِلُ فيها، فالفُجورُ يَجِدُ مَوضِعَه، والتَّقوى تَجِدُ مَوضِعَها، ولا يُلغي أحَدُهُما الآخَر.

السَّماءُ والأرضُ والنَّفس: ثَلاثُ صَنعاتٍ بِيَدٍ واحِدَة

وتَأتي الآياتُ الخامِسةُ والسّادِسةُ والسّابِعةُ على نَسَقٍ واحِد: «ما بَناها»، «ما طَحاها»، «ما سَوَّاها»، وهي ثَلاثُ صَنعاتٍ مَوسومةٌ بِفِعلِ صانِعِها: السَّماءُ مَبنِيّةٌ بِإحكام، والأرضُ مَطحُوّةٌ في اتِّساع، والنَّفسُ مُسَوّاةٌ في نِسبة، وكُلُّ واحِدةٍ من هذه الثَّلاثِ تَدُلُّ على ما خَلَّفَتهُ فيها يَدُ صانِعِها.

والقارِئُ الذي مَرَّ بِالآياتِ السِّتِّ السّابِقةِ ثُمَّ نَزَلَ على هذه الآيةِ يَنزِلُ على نَفسِه، فقد صارَ المَنظورَ إلَيه، ولم يَعُدْ هو النّاظِرَ في الكَون، وكُلُّ ما رَآه في الكَونِ من إحكامِ الصَّنعةِ يَجِدُه الآنَ مَنسوجاً في داخِلِه. ومَن أرادَ أن يَعرِفَ مَن بَنى السَّماءَ فلْيَنظُرْ مَن سَوّى النَّفسَ التي بِها يَنظُر.


حَصيلة

تَدخُلُ النَّفسُ في القَسَمِ السّابِعِ مُنَكَّرة: «وَنَفسٍ»، وقد عُدِلَ فيها عن المَعرِفةِ في «والنَّفسِ». والتَّنكيرُ تَعميمٌ يَشمَلُ كُلَّ نَفسٍ خُلِقَت، فيُحِسُّ كُلُّ سامِعٍ أنَّه مَقصودٌ بِها. وفِعلُ التَّسوِيةِ من الجِذرِ س-و-ي، وفيه الاعتِدالُ والنِّسبةُ المَحفوظةُ بَينَ الأجزاء، فالنَّفسُ المُسَوّاةُ تَركيبٌ قامَت بَينَ أجزائِه نِسَبٌ مَحفوظة، وليسَت جَمعاً عَشوائِيّاً. وقد كانَت سِتّةُ أقسامٍ تَمهيداً لِهذا القَسَمِ الواحِدِ على نَفسٍ واحِدة، كأنَّ الكَونَ كُلَّه جاءَ لِيُقَدِّمَ هذه الذّاتَ القارِئةَ إلى نَفسِها.