الشمس · الآية 8

﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا

«ألهَمَها»: الإيقاعُ في القَلبِ من غَيرِ تَعليم

الإلهامُ في اللِّسانِ العَرَبِيِّ يَدُلُّ على نَوعٍ خاصٍّ من المَعرِفة، هي مَعرِفةٌ تُلقى في القَلبِ بِمُباشَرةٍ من غَيرِ واسِطةٍ مَحسوسة، ولا تَدخُلُ من الأُذُنِ بَعدَ كَلِمة، ولا من العَينِ بَعدَ إشارة. وفي كَلامِ العَرَبِ «أُلهِمَ الصَّوابَ» إذا أصابَه دونَ أن يُتَدارَس، كأنَّه عَرَفَه قَبلَ أن يُعَلَّمَه.

وقد اختارَتِ الآيةُ هذا اللَّفظَ لِتُؤَكِّدَ أمراً جَوهَرِيّاً، هو أنَّ الفُجورَ والتَّقوى لَيسا تَعليمَينِ خارِجِيَّين، فالإنسانُ لا يَنتَظِرُ مُعَلِّماً لِيَعرِفَ ماهِيّةَ أن يَفجُرَ أو ماهِيّةَ أن يَتَّقي، وهاتانِ القُدرَتانِ مَوضوعتانِ في تَسوِيَتِه نَفسِها. وما يَفعَلُه التَّعليمُ الخارِجِيُّ بَعدُ هو تَفعيلُ هذا الإلهام، وتَوجيهُ النَّفسِ إلى أن تُصغِيَ إلى ما عَرَفَته من نَفسِها.

«فُجورَها»: الانفِجارُ والشَّقُّ

و«فُجور» في الجِذرِ (ف-ج-ر) من مَعنى الانفِجارِ والشَّقّ، ومِنه «الفَجرُ» لِانشِقاقِ الظَّلامِ عن النّور، و«انفَجَرَ» الماءُ من الصَّخرةِ إذا تَدَفَّقَ بَعدَ أن كانَ مَحبوساً. فالفُجورُ بِهذا المَعنى تَدَفُّقُ النَّفسِ خارِجَ ما يُمسِكُها، زِيادةً على فِعلِ الإثم، أي شَقُّها لِحُدودِها وانفِجارُها على ما لا يَنبَغي.

والتَّعبيرُ بِـ«فُجورَها» بِإضافةِ الضَّميرِ إلى النَّفسِ يَجعَلُ هذا الفُجورَ صِفةً مَوجودةً فيها، لا شَيئاً غَريباً يَدخُلُ عَلَيها، فهي قابِلةٌ لِلانفِجارِ خارِجَ الحَدّ. وهذه القابِلِيّةُ شَطرٌ من تَسوِيَتِها، وليسَت عَيباً في صَنعَتِها، والنَّفسُ المُسَوّاةُ هي التي يُمكِنُها أن تَفجُرَ أو أن تَتَّقي، ولو لم تَكُن قابِلةً لِلفُجورِ لَما كانَت قابِلةً لِلتَّقوى، والكِفَّتانِ مَعاً تَصنَعانِ المِيزان.

«تَقواها»: الحَجزُ والوِقايَة

و«تَقوى» من الجِذرِ (و-ق-ي)، ومَعناه الحَجزُ والوِقايةُ بِحاجِزٍ يَحفَظُ ما خَلفَه، ومِنه «اتَّقى» (وَضَعَ بَينَه وبَينَ الشَّيءِ ما يَحجُبُ)، و«الوِقاءُ» لِلحاجِزِ الذي يَحمي. والتَّقوى بِهذا المَعنى جَعلُ الحاجِزِ بَينَ النَّفسِ وما يُؤذيها، ولا تَقِفُ عِندَ الخَوفِ المُجَرَّد، والإنسانُ يَتَّقي ما يَنبَغي أن يَتَّقِيَه بِحَجزٍ يُقيمُه بَينَه وبَينَه.

وهذه التَّقوى مَوضوعةٌ في النَّفسِ كما الفُجور، بِإضافةِ الضَّميرِ في «تَقواها»، فهي قابِلةٌ لِأن تُقيمَ الحاجِزَ من داخِلِها، ولا تَنتَظِرُ مَن يَحجِبُها، ففيها قُدرةُ الحَجبِ مَوضوعةٌ مُنذُ التَّسوِية. وقد كَشَفَ لَها الإلهامُ هذه القُدرةَ كما كَشَفَ لَها قُدرَتَها على الفُجور، والإلهامُ بِهذا المَعنى مُحايِدٌ في صَنعِه، يُلهِمُ الكِفَّتَينِ مَعاً، ويَترُكُ القَرارَ لِإرادةِ النَّفس.

والنّاطِقُ بِـ«فُجورَها وَتَقواها» يَلقى في فَمِه شَيئاً من هذا التَّناوُب: فالفاءُ تَنفُذُ بَينَ الشَّفةِ والثَّنِيّةِ في «فُجور»، ثُمَّ تَصِلُ الواوُ إلى تَقوى، فيُقيمُ الفَمُ بَينَ الكَلِمَتَينِ تَوازُناً صَوتِيّاً يُحاكي تَوازُنَهُما في النَّفس.


حَصيلة

الفاءُ في «فَأَلهَمَها» لِلتَّعقيب، فهي تُعَقِّبُ التَّسوِيةَ بِلا فاصِل، والنَّفسُ تُسَوّى ثُمَّ تُلهَم. والإلهامُ وُصولُ المَعنى إلى القَلبِ من غَيرِ تَعَلُّمٍ خارِجِيّ، والمُلهَمُ شَيئانِ مَعاً بِحَرفِ العَطف: «فُجورَها وَتَقواها»، فلم يُلهَمْ أحَدُهُما دونَ الآخَر، ولم يَتَقَدَّمْ أحَدُهُما على الآخَر. وأصلُ ف-ج-ر انفِجارٌ يَختَرِقُ الحَدّ، وأصلُ و-ق-ي وِقايةٌ تَحمي من الضَّرَر. والإنسانُ يَعرِفُ الطَّريقَينِ بِالفِطرةِ لا بِالتَّعليم، والاختِيارُ بَينَهُما هو ما سَتَبني عَلَيه السّورةُ حُكمَها في الآيَتَينِ التّالِيَتَين.