الليل · الآية 21

﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ

«وَلَسَوفَ»: التَّأكيدُ المُضاعَف

الواوُ هُنا عاطِفَة، تَجمَعُ هذه الآيةَ بِما قَبلَها: مَن أَتقى وأَتى مالَه يَتَزَكَّى لِغَير جَزاءٍ سابِق إلّا وَجهَ رَبِّه، وَلَسَوفَ يَرضى، فالنَّتيجَةُ تَنزِلُ بِواوِ التَّعقيب. واللامُ في «لَسَوفَ» لامُ التَّأكيد، وَ«سَوفَ» حَرفُ تَنفيسٍ يَدُلُّ على المُستَقبَلِ البَعيد، والجَمعُ بَين اللامِ و«سَوفَ» تَأكيدٌ مُضاعَفٌ على الوَعد، وكَأَنَّ السورةَ تَختَتِمُ بِما لا يَنبَغي أَن يَتَطَرَّقَ إلَيه شَكّ.

وَ«سَوفَ» تَختَلِفُ عَن السينِ في مَعنىً دَقيق، فالسينُ سَوفُ التَّنفيسِ القَريب، وَ«سَوفَ» التَّنفيسُ البَعيد، والمَقصودُ بِالفَرقِ هُنا التَّأكيد. فمَجيءُ هذا الرِّضا قَد يَستَغرِقُ زَمَناً، غَيرَ أنَّه آتٍ، والإطالَةُ في الزَّمَنِ تُؤَكِّدُ أنَّ الوَعدَ يَنفُذُ في زَمَنِه، ولا تُلغيه. وَفي اقتِرانِ «لَ» و«سَوفَ» مُجتَمِعَتَين تَأكيدٌ بَلاغيٌّ يُشَدِّدُ على ثَباتِ الوَعد.

«يَرضى»: الحالُ التي يَنزِلُ إلَيها السائِر

وأصلُ ر-ض-ي في حَرفِه اِستِرسالٌ يَتَكَثَّفُ ويَتَّصِل، والرِّضا حالٌ تَستَقِرُّ في النَّفسِ ولا تَتَفَلَّت. وَفي العربيّةِ يُقالُ «رَضيَ بِكذا» إذا قَبِلَه قَبولاً يَستَقِرُّ، لا قَبولَ ضَجَر. وَالكَلِمَةُ في الكِتابِ مُتَّجِهَةٌ في الغالِبِ مِنَ الإنسانِ نَحوَ ربِّه، أَو مِن ربِّه نَحوَ الإنسان، والفِعلُ في صيغَتِه هُنا مُطلَقٌ بِلا مُتَعَلِّق: «يَرضى»، والإطلاقُ يَفتَحُ المَعنى على رِضا الأَتقى عَن نَفسِه، وعَن سَعيه، وعَن كلِّ ما اختارَه، وهو الرِّضا الكامِلُ الذي تَنزِلُ إلَيه النَّفسُ بَعدَ مَسيرَتِها.

وَيَتَكَرَّرُ الجِذرُ في الكِتابِ في صورَةٍ تُضيءُ هذه الآية: رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، والرِّضا فيها مُتَبادَل: مِنَ الرَّبِّ نَحوَ المَربوب، ومِنَ المَربوبِ نَحوَ الرَّبّ. والفِعلُ في سورتِنا مُطلَق، فَيَدخُلُ فيه كِلا الجَنبَين، والأَتقى الذي ابتَغى وَجهَ ربِّه الأَعلى يَنتَهي إلى رِضاً مُتَبادَل.

المُقابَلَةُ مَع سورَةِ الضُّحى

وتَختَتِمُ السورةُ بِجُملَةٍ تَتَجاوَبُ مَع سورَةٍ أُخرى، هي وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ في سورَةِ الضُّحى: الجِذرُ نَفسُه (ر-ض-ي)، وصيغَةُ التَّأكيدِ نَفسُها (لَسَوفَ)، والفِعلُ نَفسُه (يَرضى). فالكَلِمَةُ تَعبُرُ مِن سورَةٍ إلى سورَة، وتُؤَكِّدُ الوَعدَ نَفسَه في صياغَتَين مُختَلِفَتَين قَليلاً، والفَرقُ في الفاعِل: ففي الضُّحى الرَّبُّ يُعطي والإنسانُ يَرضى مِن جَزاء، وفي اللَّيل يَرضى الإنسانُ مُطلَقاً، وكأنَّ السورَتَين تَلتَقيانِ في الكَلِمَةِ نَفسِها مِن زاويَتَين.

وَفي اختِتامِ السورةِ بِهذه الكَلِمَةِ نُكتَةٌ تَلَخيصيَّة: فقد كانَ السَّعيُ شَتَّى، وظَهَرَ القُطبانِ، وتَلَظَّتِ النّار، ثُمَّ يَنتَهي الأَتقى إلى رِضاً واحِدٍ يَجمَعُ كلَّ السَّعي، والرِّضا هُوَ نُقطَةُ النِّهايَةِ التي تَستَقبِلُ السائِرَ بَعدَ مَسيرَةٍ كامِلَة. وَفي اللَّحظَةِ الأَخيرَةِ مِن السورةِ تُلَيِّنُ اللُّغَةُ بِـ«يَرضى»: فالياءُ تَنفَتِح، والراءُ تَجري، والضادُ تُكَثِّف، والألِفُ تَنبَسِط، والكَلِمَةُ نَفسُها تَستَرسِلُ كَالنِّهايَةِ التي تَصِفُها.

وَبِها تَنغَلِقُ السورَةُ، وقد بَدَأَت بِلَيلٍ يَغشى ونَهارٍ يَتَجَلَّى وزَوجٍ مَخلوق، ثُمَّ جاءَ قُطبانِ مُتَفَرِّعان، ثُمَّ نارٌ ومَن يَصلاها ومَن يُجَنَّبُها، ثُمَّ نَزَلَت على رِضا واحِدٍ يَنطَوي عَلَيه كلُّ السَّعي، فالكَلِمَةُ الأَخيرَةُ في السورةِ تُغلِقُ القَوسَ.


حَصيلة

تُغلِقُ السورةُ بِكَلِمَتَين مُؤَكَّدَتَين: «وَلَسَوفَ يَرضى»، والواوُ عَطف، واللامُ تَأكيد، وسَوفَ للمُستَقبَل. والجِذرُ ر-ض-ي استِرسالٌ يَتَكَثَّفُ في قَبولٍ يَصيرُ حالَةً دائِمَة، والرِّضا حالٌ تَنزِلُ عَلَيه، لا فِعلٌ يَفعَلُه، والأَتقى يَنتَهي إلى هذه الحال. وقد تَجاوَبَت هذه الكَلِماتُ مَع خاتِمَةِ سورةِ الضُّحى في وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾، فهو وَعدٌ واحِدٌ يَختِمُ سورَتَين بِجَذرٍ واحِد.