الليل · الآية 5
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«فَأمّا»: تَفصيلٌ بَعدَ إجمال
الفاءُ هُنا فاءُ السَّبَب: ما أُجمِلَ في «إنَّ سَعيَكُم لَشَتَّى» يُفَصَّلُ الآنَ. وَ«أمّا» أداةُ تَفصيلٍ تَستَدعي «فَ» بَعدَها (سَتَأتي في الآيةِ السابعة: «فَسَنُيَسِّرُهُ»). وَ«مَن» اسمُ شَرطٍ يَستَوعِبُ كلَّ مَن تَنطَبِقُ عَلَيه الصِّفات. لا فَردٌ مُحَدَّد، بَل صِنفٌ كلُّ مَن دَخَلَ فيه دَخَلَ في الجَواب.
وَفي اختِيارِ «مَن» بَدَلَ اسمٍ مَعَيَّنٍ تَعميمٌ مَقصود. السورةُ لا تَتَكَلَّمُ عَن شَخصٍ في حِكايَة، بَل عَن صِنفٍ مَفتوحٍ يَدخُلُه القارئُ بِنَفسِه إن صَدَقَت عَلَيه الصِّفات. كلُّ ساعٍ بِهذه الجِهَةِ داخِلٌ، ولا أحَدَ مُسَمَّى.
«أَعطى»: حَرَكَةُ يَدٍ مُمتَدَّة
الجِذرُ ع-ط-و حرفيّاً مَدُّ يَدٍ بِشَيءٍ يَنتَقِلُ إلى آخَر. ومنه «العَطاء» وَ«المُعطي» وَ«الإعطاء». والصِّيغَةُ هُنا «أَعطى» في صيغَةِ الإفعالِ المُتَعَدّي: فَعَلَ بِمَفعولٍ، وَإن لَم يُذكَر. وَفي الإغفالِ المَقصودِ ثَناءٌ: لا يُحَدَّدُ ما أَعطى، فَيَدخُلُ في الصِّفَةِ كلُّ نَوعٍ مِن إعطاء.
وَالفِعلُ في الماضي: «أَعطى». لَم يَقُل «يُعطي» في صيغَةِ الاستِمرار. الماضي يُؤَكِّدُ الوُقوع: العَطاءُ تَمَّ. كأنَّ الصِّفَةَ تُلتَقَطُ بَعدَ وُقوعِها. هذا إنسانٌ قَد أَعطى. الفِعلُ سَجَّلَ نَفسَه في الواقِع.
«اتَّقى»: الوِقايَةُ بَين النَّفسِ وما يَكسِرُها
الجِذرُ و-ق-ي حرفيّاً حاجِزٌ قَويٌّ يَمتَدُّ في الزَّمَن. الوِقايَةُ ما يُجعَلُ بَين النَّفسِ وما يُؤذيها. وَالصِّيغَةُ هُنا «اتَّقى» في وَزنِ افتَعَل: فَعَلَ بِنَفسِه، أي اتَّخَذَ هُوَ لِنَفسِه وِقايَةً. لا أحَدَ يَتَّقي عَنه؛ هُوَ مَن يَأخُذُ الاحتِياطَ.
وَ«اتَّقى» مَفعولُها مَحذوف، كَما حُذِفَ مَفعولُ «أَعطى». لا يُقالُ «اتَّقى ماذا»، فَيَدخُلُ في الصِّفَةِ كلُّ ما يُحتاجُ إلى الوِقايَةِ مِنه. وَهذا هُوَ العَمودُ الفِقريُّ في القُطبِ الأَوَّل: وَعيٌ بِأنَّ ثَمَّةَ ما يَحتاجُ النَّفسُ أن تَتَحَفَّظَ مِنه. ولِذلِكَ يُذكَرُ بَعد العَطاء: مَن أَعطى وَلَم يَتَّقِ ضَرَر، قد يُعطي بِيَدٍ تَطلُبُ بِالعَطاءِ ما يَكسِرُها.
وَفي الكِتابِ يَتَكَرَّرُ هذا الجِذرُ مُرتَبِطاً بِالخَلق: اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾. التَّقوى ليست خَوفاً مِن مَجهول، بَل وِقايَةٌ مَحسوبَةٌ بَين النَّفسِ وما يُهَدِّدُها مِنَ الانحِراف. والمَوقِفُ المُتَّقي هُوَ الذي يَعرِفُ أنَّ يَدَه ليست هي السَّقف، وَأنَّ ثَمَّةَ مَن أَكبَر مِنه يَستَحِقُّ أن يُحسَبَ في كلِّ خَطوَة.
«أَعطى وَاتَّقى»: الزَّوجُ الذي يُكَوِّنُ الجِهَة
الفِعلانِ مَعاً يُكَوِّنانِ صورَةَ الجِهَةِ الأُولى. لَو قِيلَ «أَعطى» وَحدَه لَكانَ كَريماً ولَكِن قَد يَكونُ جَواداً يَتَفاخَر. لَو قِيلَ «اتَّقى» وَحدَه لَكانَ مُتَحَفِّظاً ولَكِن قد يَكونُ بَخيلاً يَحتَمي. فَجَمعُ الفِعلَين هُوَ الذي يَصنَعُ المَوقِف: يَدٌ مَمدودَةٌ في إطارِ وَعيٍ بِما هُوَ أَكبَر.
وَهذا التَّوازُنُ سَيَنعَكِسُ في الآياتِ التاليَة. سَيُذكَرُ مُقابِلُ «أَعطى» في الآيةِ الثامِنَة «بَخِلَ»، وَمُقابِلُ «اتَّقى» «استَغنى» (أي ظَنَّ نَفسَه غَنِيًّا عَن وِقايَة). الفِعلانِ في كلِّ قُطبٍ يَتَقابَلانِ مَع نَظيرِهِما في القُطبِ الآخَر. السورةُ تَبني المُقابَلَةَ بِدِقَّةٍ شَديدَة.
حَصيلة
القُطبُ الأوَّلُ يَنزِلُ بِفِعلَين: «أَعطى» يَدُّه تَمتَدُّ، «اتَّقى» يَأخُذُ من نَفسِه احتِياطاً. الأُولى نَحوَ الآخَر، والثانيةُ نَحوَ الإطارِ الذي يَعيشُ فيه. الجِذرُ ع-ط-و امتِدادٌ يُوصِلُ الشَّيءَ إلى يَدِ مَن يَنتَظِرُه. الجِذرُ و-ق-ي حِمايَةٌ من الضَّرَر بوَعيٍ مُسبَق. الإنسانُ المُعطي المُتَّقي لَيس مُستَأثِراً بِيَدِه ولا غافِلاً عن مَوقِفِه، وسيَنزِلُ عَلَيه في الآيةِ السابِعَةِ جَوابُ التَّيسير.