الليل · الآية 6

﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ

«صَدَّقَ بِالباء»: تَصديقٌ يَلتَزِمُ، لا تَصديقٌ يَتَلَقّى

وفي تَعدِيَةِ الفِعلِ بِالباءِ هُنا فَرقٌ دَقيق، فـ«صَدَّقَ الرَّجُلَ» مَعناه صَدَّقَ خَبَرَه، أي قَبِلَ أنَّ ما قالَه صادِق، وأمّا «صَدَّقَ بِالرَّجُل» فمَعناه آمَنَ بِه والتَزَمَ بِأمرِه. والباءُ تَنقُلُ الفِعلَ مِنَ الإقرارِ بِخَبَرٍ وَحدَه إلى الالتِصاقِ بِمَوضوع. وقد تَكَرَّرَ هذا التَّعَدّي في الكِتاب: وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾، ووَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾، وبِهذه الباءِ يَصيرُ التَّصديقُ التِزاماً.

وَالجِذرُ ص-د-ق حرفيّاً صَلابَةٌ تَثبُتُ ثُمَّ تُختَمُ بِقَطعٍ مَحسوم، فالصِّدقُ ثَباتٌ يَنعَقِدُ ويَستَقِرّ، ولا يَقِفُ عِندَ القَولِ المُطابِق. وصيغَةُ التَّفعيلِ في «صَدَّقَ» تُؤَكِّدُ هذا المَعنى، فهو ثَباتٌ مَعَ الخَبَرِ واستِقرارٌ عَلَيه، زِيادَةً على قَبولِه، ومَن صَدَّقَ بِالحُسنى فقد عَقَدَ نَفسَه عَلَيها.

«الحُسنى»: المَفعولُ المَتروكُ بِلا تَحديد

و«الحُسنى» مُؤَنَّثُ «الأحسَن»، وأصلُ ح-س-ن الإحسانُ في صَنعَةٍ أو حالَة، وهو الذي يَنفُذُ إلى الباطِنِ بِدِقَّة. وتَتَكَرَّرُ «الحُسنى» في الكِتابِ في مَواضِعَ يَكشِفُ بَعضُها بَعضاً: لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ﴾، وهَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾، والمُرادُ بِها الحُسنى المُطلَقَة، أي أحسَنُ الجَزاءِ وأحسَنُ المَوعود.

وقد تَرَكَ النَّصُّ هُنا التَّعريفَ مَفتوحاً، فعُدِلَ عن «صَدَّقَ بِالجَنَّة» و«صَدَّقَ بِالثَّواب» إلى «الحُسنى» في صيغَةِ التَّفضيلِ المُطلَق، فيَدخُلُ فيها كُلُّ ما هُوَ أحسَنُ مِمّا قَد يَحضُرُ النَّفس: أحسَنُ مِن دُنيا، وأحسَنُ مِن مَنفَعَةٍ آنيَّة، وأحسَنُ مِن طَريقٍ تَخِفُّ فيه الكُلفَة. ومَن صَدَّقَ بِأنَّ هُناكَ ما هُوَ أحسَنُ عَقَدَ يَدَه وعَقَدَ تَقواه على هذا اليَقين.

الثَّلاثيَّةُ كَبِنيَة

كانَ الفِعلانِ السّابِقانِ في حَرَكة، و«صَدَّقَ بِالحُسنى» في يَقين: فاليَدُ تَتَحَرَّك، والنَّفسُ تَحتَمي، والقَلبُ يَعقِدُ أنَّ ثَمَّةَ ما يَستَحِقُّ هذا كُلَّه. والثَّلاثَةُ صِفاتٌ مُتَّصِلات، فلا تَستَطيعُ يَدٌ أن تَنبَسِطَ بِالعَطاءِ بِلا تَقوى، ولا تَتَّقي نَفسٌ مِن غَيرِ أن تَعتَقِدَ أنَّ ثَمَّةَ ما يَستَحِقُّ التَّقوى، وهذا الاعتِقادُ هُوَ ما يُسَمّى هُنا «التَّصديقُ بِالحُسنى».

ولِذلِكَ جاءَ الجَوابُ في الآيةِ التّالِيَةِ بِصيغَةٍ تَلتَقِطُ الثَّلاثيَّةَ كُلَّها مَعاً: فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ، وهو تَيسيرٌ يُلازِمُ الفاعِلَ في حَرَكَتِه، لا جَزاءٌ يَأتي بَعدَ الفِعل، فمَن سارَ بِجِهَةِ الحُسنى يَسَّرَتْ لَه الجِهَةُ نَفسُها طَريقَها.


حَصيلة

هذه الصِّفَةُ الثّالِثَةُ تُلَخِّصُ الجِهَة. فـ«صَدَّقَ بِالحُسنى» جاءَ بِالباء، والجِذرُ ص-د-ق فيه مَوصولٌ بِالمُصَدَّقِ بِه، فهو التِزامٌ لا تَلَقٍّ. و«الحُسنى» مُؤَنَّثُ «الأحسَن»، صيغَةُ تَفضيلٍ مُطلَقَةٌ بِلا تَحديد، يَدخُلُ في دائِرَتِها كُلُّ ما يَستَحِقُّ وَصفَ الأحسَن. ثُمَّ تَكتَمِلُ الثَّلاثيَّة: العَطاءُ الحَرَكَةُ نَحوَ الآخَر، والتَّقوى الوَعيُ بِالإطار، والتَّصديقُ بِالحُسنى الالتِزامُ بِالأفضَل، والجِهَةُ لا تَكتَمِلُ بِفِعلٍ واحِد.