الشرح · الآية 8

﴿وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب

«وَإِلى رَبِّك»: تَقديمُ الجِهَةِ يَحصُرُها

«إلى» في العَربيَّةِ حَرفُ غايَة. ما كانَ مَوضِعُه «إلى» فهو نِهايَةُ الحَرَكَةِ ومُنتَهاها. والحَركَةُ التي تَتَّجِهُ إلى غايَتِها لا تَلتَفِتُ في طَريقِها، لِأَنَّ الالتِفاتَ يَجعَلُها لا تَصِل. ولذلك تَختارُ الآيةُ هذا الحَرفَ بدِقَّة: لا «نَحوَ رَبِّك» (التي تُفيدُ التَّوَجُّهَ بِلا حَصر)، بل «إلى رَبِّك» (التي تَجعَلُه نِهايَةَ الحَرَكَة).

وتَقديمُ الجِهَةِ على الفِعلِ في النَّحوِ العَربيِّ يُفيدُ الحَصرَ والاختِصاص. كَأَنَّ النَّصَّ يَعرِفُ أنَّ مَوضِعَ الرَّغبَةِ في الإنسانِ مَفتوحٌ على جِهاتٍ كَثيرَة. تَرغَبُ النَّفسُ في المالِ، في الجاه، في القَبولِ من الناس، في الراحَة. والآيةُ تَضَعُ يَدَها على هذا المَوضِعِ وتَقولُ: كلُّ هذه جِهاتٌ، لكنَّ المُؤَكَّدَ المَحصورَ في الفِعلِ هو رَبُّك. تُقَدِّمُ الجِهَةَ لتَحجُبَ غَيرَها.

وفي الفاتِحَةِ يَقولُ القارِئُ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. تَقديمُ المَفعولِ على الفِعلِ في «إيّاكَ نَعبُد» يُفيدُ نَفسَ الحَصر. كَأَنَّ السورةَ هنا في عَجُزِ القُرآنِ تُعيدُ ما قالَتهُ الفاتِحَةُ في صَدرِه، بصيغةٍ مُختَلِفَة. هناك المَفعولُ مَحصورٌ في الفِعل، وهنا الجِهَةُ مَحصورَةٌ في الفِعل. والمَعنى واحِد: لا تَوَجُّهَ إلى غَيره.

«رَبِّك»: الصِّفَةُ التي تُسَوِّغُ الرَّغبَة

اختيارُ «رَبِّك» على «اللهِ» في خِتامِ السورةِ مُهِمّ. السورةُ من أَوَّلِها تَتَكَلَّمُ مع المُخاطَبِ بصيغةِ التَّربيَة. كلُّ ما حَدَثَ في الآياتِ الأَربَعِ الأُولى كانَ فِعلَ رَبٍّ يُربّي: شَرحٌ، وَوَضعٌ، ورَفعٌ. ومَن قَرَأَ السورةَ على هذا المَنهَجِ وَجَدَ أنَّ الخِتامَ يَتَّسِقُ مع الافتِتاح: الذي شَرَحَ ووَضَعَ ورَفَعَ هو الذي تُرغَبُ إليه.

والإضافَةُ في «رَبِّك» مُهِمّة. لم يَقُل «إلى الرَّبّ»، ولا «إلى رَبِّ العالَمين»، بل «إلى رَبِّك» مُختَصّاً بالمُخاطَب. الذي رَبّاكَ أنتَ، تَوَلّى نُمُوَّك، أَخرَجَك من حالٍ إلى حال. الرَّغبَةُ تَكونُ إليه بصِفَةِ التَّربيَةِ المُتَّصِلَةِ بك. ليس رَبّاً مُجَرَّداً تَعرِفُه ذِهنيّاً، بل رَبّاً يَتَكَلَّمُ في حَياتِك مِن داخِلِها.

ومَن أَصغى إلى ضَميرِ الكافِ في السورةِ كلِّها وَجَدَه يَتَكَرَّر: صَدرَك، وِزرَك، ظَهرَك، ذِكرَك، رَبِّك. خَمسُ إضافاتٍ كلُّها على الكاف. السورةُ مَبنيَّةٌ على حِوارٍ مُغلَقٍ بَين المُتَكَلِّمِ بِنونِ العَظمَةِ والمُخاطَبِ بِكافِ المُفرَد. لا يَدخُلُ هذا الحِوارَ أَحَدٌ ثالِث. ومَن قَرَأَ السورةَ كَأَنَّه المُخاطَب، وَجَدَ نَفسَه في مَوضِعِه دونَ أن يَنتَزِعَ مَكانَ النَّبيِّ ﷺ. الكافُ تَتَّسِعُ لكلِّ قارئٍ مُصغٍ.

«فَارغَب»: الميلُ الذي يَجذِبُ صاحِبَه

الجِذرُ ر-غ-ب يَدلّ على ميلٍ داخِليٍّ يَظهَر. الرَّغبَةُ ليست مُجَرَّدَ تَمَنٍّ يَخطُرُ في الذِّهنِ ثمّ يَزول، بل سَريانٌ في الباطِنِ يَجذِبُ صاحِبَه إلى ما يَرغَبُ فيه. ولذلك يُقالُ «رَغِبَ فيه» بمَعنى مالَ إليه شَوقاً، و«رَغِبَ عَنه» بمَعنى انصَرَفَ عَنه نُفوراً. الجَذرُ يَجمَعُ بَين الميلِ في الباطِنِ والظُّهورِ في السُّلوك.

والأَمرُ «ارغَب» يَستَدعي صورةَ الإنسانِ الذي يَملأُ باطِنَه شَوقاً إلى وِجهَةٍ مُحَدَّدَة. ليس طَلَباً ذِهنيّاً، ولا تَوَجُّهاً سَطحيّاً، بل ميلٌ يَستَوعِبُ النَّفسَ كلَّها. والآيةُ تَأمُرُ بأن يَكونَ هذا الشَّوقُ كلُّه إلى جِهَةٍ واحِدَة. وحينَ تُقابَلُ هذه الآيةُ بِما قَبلَها، تَظهَرُ المَنهَجيَّة: الفَراغُ من شَأن، ثمّ النَّصَبُ في شَأنٍ جَديد، ثمّ الرَّغبَةُ التي تُوَجِّهُ النَّصَب. ثَلاثَةُ أَفعالٍ مُتَتالِيَة، كلُّها على المُخاطَبِ نَفسِه.

وفي البَقَرَةِ يَتَكَرَّرُ هذا الجَذرُ في موضِعَين بِمَعنى الانصِرافِ عَن: وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾. الرَّغبَةُ عَن في الجَذرِ نَفسِه نَقيضُ الرَّغبَةِ في. والآيةُ هنا في حَقِّ النَّبيّ ﷺ تَختِمُ السورةَ بِالرَّغبَةِ في، التي تَصِلُ المُخاطَبَ بمَن يُربّيه. ومَن رَغِبَ عَن جِهَةٍ، لا بُدَّ أن يَرغَبَ في جِهَةٍ أُخرى. السورةُ تُحَدِّدُ الجِهَةَ التي إذا رَغِبَ فيها صاحِبُها، رَغِبَ بِالضَّرورَةِ عَن غَيرِها.

والفاءُ في «فَارغَب» فاءُ التَّفريع. الرَّغبَةُ مُتَفَرِّعَةٌ على الانتِصابِ في الآيةِ السابِقَة. مَن انتَصَبَ بَعدَ فَراغِه، يَنتَصِبُ إلى وِجهَة. والوِجهَةُ هي رَبُّه. ومَن قَرَأَ آياتِ السورةِ كلَّها وَجَدَ في خِتامِها صورةَ الإنسانِ المُكتَمِلَةَ كَما يُريدُها النَّصّ: صَدرٌ مَشروح، ظَهرٌ خَفيف، اسمٌ مَرفوع، يَقينٌ بأنَّ مَعَ العُسرِ يُسراً، فَراغٌ يَتلوهُ نَصَب، ونَصَبٌ تُوَجِّهُه رَغبَةٌ إلى رَبٍّ يُربّي. ثَمانِيَةُ مَنازِلَ في ثَمانِيَةِ آيات.


حَصيلة

السورةُ تُغلِقُ بأَمرٍ يُعَيِّنُ الوِجهَة. «وَإلى رَبِّكَ فَارغَب». تَقديمُ الجارِّ والمَجرورِ على الفِعلِ يُفيدُ الحَصر: إلى رَبِّك أنتَ لا إلى غَيرِه. الجِذرُ ر-غ-ب: المَيلُ المُلِحُّ الذي يَجذِبُ صاحِبَه نَحوَ ما يَشتَهيه. الرَّغبَةُ ليست تَمَنِّياً بَل سَريانٌ داخِليٌّ قاصِد. الآيتانِ الأَخيرَتانِ مَعاً تُكَوِّنانِ المَنهَج: انتِصابٌ فيه وِجهَة. الجَهدُ بِلا وِجهَةٍ يُشتِّت، والرَّغبَةُ بِلا انتِصابٍ تَتَبَدَّد.