الشرح · الآية 6

﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا

التَّكرارُ في القُرآن: لِمَ لا يُكَرَّرُ شَيءٌ بِغَيرِ مَعنى

القُرآنُ لا يُكَرِّرُ ما لا يُريدُ به مَعنىً جَديداً. وفي الفاتِحَةِ تُكَرَّرُ صِفَتانِ من جَذرٍ واحد: الرَّحمنُ الرَّحيم. والصِّفَتانِ مُختَلِفَتانِ في الوَزنِ والمَعنى مَعاً. وفي البَقَرَةِ تُكَرَّرُ كَلِمَةُ «اذكُروني» في موضِعَين قَريبَين، ولِكلٍّ مَوضِعِها. والتَّكرارُ في هذه السورةِ من نَوعٍ ثالث: نَصٌّ واحِدٌ يُعادُ بِلَفظِه، وفي إعادَتِه مَعنىً يَحتاجُ إلى إصغاءٍ خاصّ.

القاعِدَةُ مَأخوذَةٌ من النَّحوِ العَرَبيِّ نَفسِه. إذا كُرِّرَت كَلِمَةٌ مُعَرَّفَةٌ بِأل، فهي هي. تَقولُ «جاءَ الرَّجُلُ، ثمّ تَكَلَّمَ الرَّجُل»، فالرَّجُلُ في القَولَين واحِد، لِأَنَّ أل تُحَدِّدُ. وإذا كُرِّرَت كَلِمَةٌ نَكِرَة، فَهُما اثنان. تَقولُ «رَأَيتُ رَجُلاً، ثمّ رَأَيتُ رَجُلاً»، فَالرَّجُلانِ مُختَلِفان، لِأَنَّ النَّكِرَةَ لا تُحَدِّد. هذه قاعِدَةٌ في النَّحوِ تَنطَبِقُ على الآيَتَين.

والنَّتيجَة: «العُسر» في الآيةِ الخامِسَةِ هو نَفسُه «العُسر» في الآيةِ السادِسَة. لكنَّ «يُسراً» في الخامِسَةِ غَيرُ «يُسراً» في السادِسَة. عُسرٌ واحِدٌ مَحدودٌ، ويُسرانِ غَيرُ مَحدودَين. هذا هو القانونُ الذي يَنزِلُ من البِنيَةِ النَّحويَّة.

«إنّ»: التَّأكيدُ مَرَّتَين

كِلتا الآيَتَين تَفتَتِحُ بِـ«إنّ»، حَرفُ التَّأكيدِ في العَربيَّة. والتَّأكيدُ مَرَّتَين تَأكيدٌ على تَأكيد. كَأَنَّ السورةَ تَعرِفُ أَنَّ مَن في حالِ ضَيقِه يَصعُبُ عَلَيه تَصديقُ أَنَّ السَّعةَ بِجانِبِه. تَأتي «إنّ» مَرَّةً، فَلَو لَم تَستَقِرّ، تَأتي ثانيَة. مَن لَم يُقنَع بِالأُولى، فَلَيُلتَفَت إلى الثانية.

وفي الإيقاعِ تَكرارٌ يَحفِرُ في الصَّدر. الكَلِمَةُ نَفسُها على المَسامِعِ مَرَّتَين، بَينَ السَّطرَين. كَأَنَّ السورةَ تُعيدُ الجُملَةَ كَما تُعادُ الذِّكرى للمُغرَقِ في غَفلَتِه. ومَن قَرَأَ السورةَ في حالٍ ضَيِّقَة، أَدرَكَ لِمَ تَكَرَّرَت: هذا التَّكرارُ يَأتي من خارِجِ الذِّهنِ ليَجِدَ مَوضِعَه في القَلبِ الذي يَنسى ما يَسمَعُه أَوَّلَ مَرَّة.

وفي تَكرارِ البِنيةِ نُكتةٌ نَحويّةٌ تَخرُجُ من الكَلِماتِ نَفسِها: «العُسر» جاءَ مُعَرَّفاً بأل، و«يُسراً» جاءَ مُنَكَّراً. والمُعَرَّفُ إذا أُعيدَ كانَ هو الأوَّلَ بِعَينِه، والمُنَكَّرُ إذا أُعيدَ كانَ غَيرَ الأوَّل؛ فالعُسرُ واحِدٌ واليُسرُ يُسران. لَن يَغلِبَ عُسرٌ واحِدٌ يُسرَين. النَّحوُ يُملي القانون.

المَوقِعُ في السورة: حَلقَتانِ تَطوَّقانِ القَلب

السورةُ بَعدَ هذه الآيةِ تَنزِلُ إلى أَمرَين: «فَإِذا فَرَغتَ فَانصَب»، «وَإِلى رَبِّك فَارغَب». الإخبارُ في الآياتِ الأَربَعِ الأُولى، والقانونُ في الآيتَين الخامِسَةِ والسادِسَة، ثمّ الأَمرُ في الآيتَين الأَخيرَتَين. ثَلاثُ مَنطِقاتٍ في سورَةٍ واحِدَة.

والآيتانِ المُكَرَّرَتانِ في وَسَطِ السورة. تَأتيانِ بَعدَ الإخبارِ بِما تَمَّ، وقَبلَ الأَمرِ بِما يَجِب. كَأَنَّهُما حَلقَةٌ ضِيقَةٌ تَجمَعُ بَين الإخبارِ والأَمر: لِيَطمَئِنَّ القَلبُ على القانونِ قَبلَ أن يُكَلَّفَ بِالفِعل. ومَن لَم يَستَقِرَّ على هذا القانونِ في صَدرِه، صَعُبَ عَلَيه أن يَنصَبَ بَعدَ الفَراغِ كَما يَأمُرُ النَّصُّ في الآيةِ التالية. الفِعلُ يَحتاجُ إلى ظَهرٍ مُستَقِرٍّ على يَقين.

والآيةُ المُكَرَّرَةُ تُغَيِّرُ مَوضِعَ القَلبِ في حالِ ضَيقِه. ليس المَطلوبُ احتِمالَ ما لا يُحتَمَلُ حتى يَنقَضي، بل الالتِفاتُ إلى ما يَكونُ مَعَ العُسرِ من يُسرٍ يَجري في الباطنِ في الزَّمَنِ نَفسِه. مَن يَنتَظِرُ نِهايَةَ الضَّيق يَختَلفُ عمَّن يَلتَفِتُ في كلِّ آنٍ إلى ما يَجري بِجانِبِه. السورةُ تَفتَحُ أُذُناً ثانيَةً تَلتَقِطُ اليُسرَ مَع صَوتِ العُسرِ، لا بَعدَه.


حَصيلة

الآيةُ تَتَكَرَّرُ بِنَفسِ الحُروف: «إنَّ مَعَ العُسرِ يُسراً» من غَيرِ فاء. التَّكرارُ توكيدٌ لا حَشو. والبِنيَةُ نَفسُها تَكشِفُ أنَّ «العُسرَ» في الآيتَين جاءَ مُعَرَّفاً بأل والعُسرُ واحِد، أمَّا «يُسراً» فنَكِرَةٌ في المَوضِعَين وقَد يَتَعَدَّد. فَتَكرارُ القانونِ مَع كَونِ العُسرِ واحِداً واليُسرِ مُتَجَدِّداً يُشيرُ إلى أنَّ صاحِبَ الضِّيقِ يَصطَحِبُ مَعَه مَعِيَّةً مُتَعَدِّدَة. العُسرُ ذاتُه يَحمِلُ أكثرَ من يُسر.