البقرة · الآية 152

﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ

فاءُ التَّعقيبِ في فَاذْكُرُونِي: الذِّكرُ فَرعٌ عَلى الإرسال

الفاءُ في مَطلَعِ الآيَةِ فاءُ التَّعقيبِ والتَّرتيب، تَربِطُ الذِّكرَ بِما سَبَقَ مُباشَرَةً في 151. إذا أُرسِلَ الرَّسولُ فيكُم مِنكُم، يَتلو ويُزَكّي ويُعَلِّم، فاذكُروني. الذِّكرُ هنا ليسَ فَريضَةً مُستَقِلَّة، بَل هو الاستِجابَةُ الطَّبيعيَّةُ لِحُضورِ المَصدَر. من لم يَصِلهُ الذِّكرُ (الرَّسولُ الذي يَتلو) لا يُكَلَّفُ بِالذِّكر، ومن وَصَلَه فَعَلَيهِ أن يَرُدَّ البَثَّ بِبَثٍّ مُكافِئ. هذا يُسقِطُ تَصَوُّراً شائِعاً أنَّ الذِّكرَ عِبادَةٌ مَعزولَة؛ هو بِحَسَبِ السِّياقِ رَدُّ فِعلٍ عَلى مَنظومَةِ البَعثِ كامِلَة.

فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ: تَبادُلٌ عَلى جذرٍ واحِد، شَرطيَّةٌ بِلا أداة

الجُملَةُ شَرطيَّةٌ جَوابيَّةٌ بِلا أداةٍ ظاهِرَة، والفِعلُ المَجزومُ «أذكُركُم» جَوابُ الأمرِ «اذكُروني». والأعجَبُ أنَّ الطَّرَفَينِ يَشتَرِكانِ في جذرٍ واحِدٍ (ذ ك ر): الفاعِلُ البَشَرِيُّ والفاعِلُ الإلَهِيُّ يَستَخدِمانِ الفِعلَ نَفسَه. هذا التَّماثُلُ الصِّياغِيُّ بِلا مَجازٍ يُقَرِّرُ مَبدَأً دَقيقاً: الذِّكرُ نَفاذٌ مُتَبادَلٌ لا يَحتَمِلُ الأبَوَّةَ الفَوقيَّةَ ولا الخُضوعَ السُّفلِيّ. ليسَ ذِكرُ العَبدِ «صَلاة» وذِكرُ الرَّبِّ «رَحمَة» بِمَعنَيَينِ مُنفَصِلَين، بَل هُما فِعلٌ واحِدٌ في اتِّجاهَينِ، يَبدَأُ من العَبدِ لأنَّهُ الضَّعيف، ويُقابَلُ بِما هو من جِنسِه. هذا التَّقديمُ لا يَعني أنَّ العَبدَ يَستَدرِجُ الله، بَل أنَّ الباثَّ الأضعَفَ مُكَلَّفٌ بالإقدام.

وَاشْكُرُوا لِي: اللّامُ تَصرِفُ الشُّكرَ عن التَّوجيهِ إلى الاستِرسال

الأصلُ في «شَكَر» أن يَتَعَدّى بِنَفسِهِ: شَكَرَهُ. لكنَّ الآيَةَ أتَت بِاللّامِ الجارَّةِ: اشكُروا لي. هذا الانحِرافُ النَّحوِيُّ يَكشِفُ مَعنىً لا يَظهَرُ مع التَّعدِيَةِ المُباشَرَة. «شَكَره» = وَجَّهَ لَهُ الشُّكرَ الإنشائِيَّ، أمّا «شَكَرَ له» فيَتَضَمَّنُ مَعنى: استَرسَلَ في الثَّناءِ والعَمَلِ لأجلِه. اللّامُ هنا لامُ الاختِصاصِ والسَّبَبيَّة، تَنقُلُ الفِعلَ من لَحظَةٍ إنشائيَّةٍ إلى حَرَكَةٍ مُمتَدَّة. الشُّكرُ في هذه الصيغَةِ ليسَ كَلِمَةً تُقالُ بَعدَ كُلِّ نِعمَة، بَل حالَةُ جَريانٍ كامِلٍ نَحوَ المُنعِم.

وَلَا تَكْفُرُونِ: نونُ الوِقايَةِ وياءٌ مَحذوفَة تَستَبقي المَفعول

الفِعلُ هنا مَسبوقٌ بِنونِ الوِقايَةِ والياءِ المَحذوفَةِ لِرَسمِ المُصحَف. الأصلُ: «لا تَكفُروني»، والياءُ المُنصَرِفَةُ إلى ضَميرِ المُتَكَلِّمِ هي المَفعولُ بِه. هذا يَختَلِفُ عن «لا تَكفُروا» المُطلَقِ الذي يَكونُ الكُفرُ فيهِ عامّاً، فهنا المَفعولُ مُعَيَّنٌ ومَحفوظٌ بالنُّون: لا تُغَطّوني أنا بِالذّات. الفِعلُ «كَفَر» في أصلِ اللُّغَةِ تَغطيَةُ الشَّيءِ بِما يَحجُبُهُ عن الحِسّ. فالنَّهيُ هنا ليسَ عن جُحودٍ ذِهنيٍّ مُجَرَّد، بَل عن إسدالِ حِجابٍ عَلى الحُضورِ الإلَهِيِّ في مَوقِعٍ يَفتَرِضُ فيهِ السِّياقُ أنَّ هذا الحُضورَ مَبثوثٌ عَبرَ الرَّسولِ والآيات.

ذِكرٌ/شُكرٌ/كُفرٌ: ثَلاثَةُ جُذورٍ تَنتَهي بِالرَّاءِ، نَواتُها مُتَفَرِّقَة

الأفعالُ الثَّلاثَةُ في الآيَةِ تَنتَهي جَميعُها بِالرَّاءِ (ذ ك ر / ش ك ر / ك ف ر)، والرَّاءُ حَرفُ استِرسالٍ وامتِداد. فَكُلُّها حالاتٌ جاريَةٌ لا لَحَظاتٌ مَقطوعَة. لكنَّ النَّواةَ الثُّنائيَّةَ لِكُلٍّ مِنها تَتَّخِذُ مَساراً مُختَلِفاً: (ذ ك) نَفاذٌ يُمسِكُ مُخْتَرِقاً الغَفلَة؛ (ش ك) انتِشارٌ يُجمَعُ ويُردّ؛ (ك ف) إمساكٌ يَفصِلُ ويَحجُب. فالذِّكرُ يَخرِقُ الحِجابَ، والشُّكرُ يَجمَعُ المُتَفَرِّق، والكُفرُ يَفصِلُ ما كانَ مَوصولاً. ثَلاثَتُها تَستَرسِلُ لكن في اتِّجاهاتٍ مُتَباعِدَة. والآيَةُ إذ تَقرُنُ الأوَّلَينِ وتَنفي الثّالِث، تَضَعُ سالِكَها في حَقلِ استِرسالٍ إيجابِيٍّ مُستَمِرٍّ، وتُحَرِّمُ استِرسالَ القَطع.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: الذِّكرُ رَدُّ بَثٍّ عَلى الإرسالِ، والشُّكرُ جَريانٌ بِلامِ الاختِصاصِ لا خِطابُ مُقابَلَة، والكُفرُ تَغطيَةٌ تَحجُبُ ما أُعطيَ. فالمُصطَلَحُ «عِبادَة» لا يُعَرَّفُ إلّا بِمُعادَلَةِ النَّفاذِ المُتَبادَلِ والاستِرسالِ الإيجابِيّ ونَفيِ الحِجاب.


حَصيلة

فاءُ التَّعقيبِ في مَطلَعِ الآيَةِ تَربِطُ الذِّكرَ بِإرسالِ الرَّسولِ في 151: لَمّا أُرسِلَ فيكُم مَن يَتلو ويُزَكِّي ويُعَلِّم فالاستِجابَةُ الطَّبيعيَّةُ فَاذْكُرُونِي﴾. والمُعادَلَةُ شَرطيَّةٌ بِلا أداةٍ ظاهِرَةٍ وعَلى جَذرٍ واحِدٍ في الطَّرَفَين: الفاعِلُ البَشَريُّ والإلَهيُّ يَستَخدِمانِ (ذ-ك-ر) ذاتَه فالذِّكرُ تَبادُلٌ لا حَرَكَةٌ في اتِّجاهٍ واحِد. وجَذرُ (ذ-ك-ر) نَفاذٌ يُمسِكُ مُختَرِقاً الغَفلَةَ فَيُعيدُ الحُضورَ. ثُمَّ وَاشْكُرُوا لِي﴾ بِاللّامِ لا «اشكُروني» بِالتَّعدِيَةِ المُباشِرَة: اللّامُ تَنقُلُ الشُّكرَ من لَحظَةٍ إنشائيَّةٍ إلى حَرَكَةٍ مُمتَدَّةٍ نَحوَ المُنعِم، فالشُّكرُ حالَةُ جَريانٍ لا كَلِمَةٌ تُقالُ. وثَلاثَةُ الجُذورِ (ذ-ك-ر) و(ش-ك-ر) و(ك-ف-ر) تَنتَهي جَميعاً بِالرّاءِ حَرفِ الاستِرسالِ: كُلُّها حالاتٌ جاريَةٌ لا لَحَظاتٌ مَقطوعَة، لكنَّ نَواتِها مُتَعاكِسَة: (ذ-ك) يَخرِقُ الحِجاب، (ش-ك) يَجمَعُ المُتَفَرِّق، (ك-ف) يَفصِلُ ما كانَ مَوصولاً. فالآيَةُ تَضَعُ السالِكَ في مَسارِ الأوَّلَينِ وتَحظُرُ مَسارَ الثّالِث.