البقرة · الآية 153

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا: نِداءٌ بِالفِعلِ لا بِالهُوِيَّة

التَّركيبُ هنا ثُلاثِيُّ الأداة: «يا» حَرفُ النِّداءِ، و«أيُّ» اسمٌ مُبهَمٌ مَوصول، و«ها» تَنبيهٌ لاحِق، ثُمّ اسمٌ مَوصولٌ مُتَبوعٌ بِصِلَةٍ فِعليَّة «الَّذينَ آمَنوا». الأُمَّةُ لا تُنادى هنا بِاسمٍ ثابِتٍ («يا مُسلِمين»، «يا أهلَ الإيمان») بَل بِصِلَةٍ فِعليَّةٍ في صيغَةِ الماضي: الَّذينَ مارَسوا فِعلَ الإيمان. هذا التَّركيبُ يَرفَضُ تَحويلَ الإيمانِ إلى هُوِيَّةٍ ثابِتَةٍ تُوَرَّث، ويُبقيهِ فِعلاً مَنسوباً إلى فاعِلينَ مُتَعَيِّنين. كُلُّ تَكليفٍ لاحِقٍ يَقَعُ عَلى هؤلاءِ بِوَصفِ فِعلِهِم، لا بِوَصفِ انتِسابِهِم. فإن توَقَّفَ الفِعلُ سَقَطَ الوَصفُ، وسَقَطَ مَعَهُ استِحقاقُ النِّداء.

اسْتَعِينُوا: صيغَةُ الاستِفعالِ تَكشِفُ أنَّ الأداتَينِ مُعانَتانِ لا مَقصودَتان

«استَعانَ» وَزنُهُ استَفعَلَ، ودَلالَتُهُ طَلَبُ العَونِ، لا العَونُ ذاتُه. فالأمرُ لم يَقُل «اعبُدوا بِالصَّبرِ والصَّلاة»، ولا «اصبِروا وصَلّوا»، بَل «اطلُبوا العَونَ بِالصَّبرِ والصَّلاة». هذا الاختيارُ الصَّرفيُّ يَنقُلُ الصَّبرَ والصَّلاةَ من دائِرَةِ الغايَةِ إلى دائِرَةِ الأداة. ما هو المُعانُ عَلَيه؟ السِّياقُ يَكشِف: بَعدَ قَلبِ القِبلَةِ وضُغوطِ المُحتَجّين، وبَعدَ الأمرِ بِالذِّكرِ والشُّكرِ في 152، الأُمَّةُ في مَوقِفٍ يَستَدعي عَوناً مُستَمِرّاً. الصَّبرُ والصَّلاةُ أدَواتُ تَحصيلِ هذا العَون، لا بَدَلُه. من أدامَهُما مَظهَراً بِلا طَلَبِ عَونٍ فقد استَعمَلَ الأداةَ في غَيرِ ما خُلِقَت لَه.

بِالصَّبْرِ: باءُ الاستِعانَة، والصَّبرُ شَدٌّ لِلنَّفسِ من داخِلِها

الباءُ في «بِالصَّبر» باءُ الاستِعانَة، والصَّبرُ سَبَقَ تَأصيلُهُ عَلى أنَّهُ صَلابَةٌ تَبرُزُ وتَستَرسِل. لكنَّ ما يَلزَمُ تَأكيدُهُ هنا هو أنَّ الصَّبرَ أداةٌ داخِليَّةٌ بِلا مَصروفٍ خارِجيّ: لا مَنسَكٌ مَحدودٌ زَمَناً، ولا وَضعيَّةٌ جَسَدِيَّةٌ مَرصودَة. هو حَبسُ النَّفسِ عن الاستِرخاءِ أمامَ ما يَدعوها إلى التَّخَلّي. ولأنَّهُ داخِليٌّ، لا شَهادَةَ عَلَيهِ إلّا من صاحِبِه؛ ولِهذا جاءَت المَعيَّةُ الإلَهيَّةُ مَقرونَةً بِه تَحديداً: الصَّبرُ وَحدَهُ يَحتاجُ شاهِداً خارِجاً عن النَّفس.

وَالصَّلَاةِ: أداةٌ تُدارُ من خارِجِ النَّفسِ وتَعودُ إلَيها

الصَّلاةُ جذرُها (ص ل و): قُوَّةٌ تَتَعَلَّقُ وتَمتَدّ، رابِطَةٌ مَتينَةٌ لا تَنقَطِع. وخِلافاً لِلصَّبرِ المُنضَغِطِ في الدّاخِل، الصَّلاةُ تَجري في مَحَلٍّ خارِجٍ ثُمّ تَعودُ: يَتَوَجَّهُ المُصَلّي إلى القِبلَةِ التي نَظَّمَتها الآياتُ السّابِقَة، يَستَقبِلُ شَطرَ المَسجِدِ الحَرام، يَقومُ ويَركَعُ ويَسجُد، ثُمّ يَعودُ الأثَرُ إلى قَلبِه. فالأداتانِ تَتَكامَلانِ عَلى مِحوَرٍ واحِد: الصَّبرُ نَفَسٌ مَحبوسٌ في الدّاخِل، والصَّلاةُ نَفَسٌ مُطلَقٌ نَحوَ الخارِجِ عائِدٌ إلى الدّاخِل. الاستِعانَةُ بِواحِدَةٍ دونَ الأُخرى اختِلالٌ: صاحِبُ الصَّبرِ المُنفَرِدِ يَصلُبُ ويَتَشَنَّج، وصاحِبُ الصَّلاةِ المُنفَرِدَةِ يَتَشَكَّلُ ولا يَصمُد.

إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ: لِماذا مَعَ الصّابِرينَ دُونَ المُصَلّين؟

الآيَةُ ذَكَرَت الأداتَينِ مَعاً، ثُمّ خَصَّت الصّابِرينَ بِالمَعيَّة. لِماذا لم يَقُل «مع الصّابِرينَ والمُصَلّين»؟ لأنَّ الصَّلاةَ في جذرِها (ص ل و) صِلَةٌ واصِلَة، فَكانَ القَولُ «الله مع المُصَلّين» تَكراراً فيما هو مَبنيٌّ في نَفسِ الفِعل: المُصَلّي بِالتَّعريفِ مُتَّصِل. أمّا الصَّبرُ فَجذرُهُ (ص ب ر) صَلابَةٌ مُستَرسِلَةٌ لا رابِطَةَ فيه، فهو فِعلٌ قَد يُمارَسُ في عُزلَةٍ عن الحُضورِ الإلَهيّ. فَجاءَت المَعيَّةُ مَعَهُ تَحديداً لِتَسُدَّ ما لا يَسُدُّهُ الصَّبرُ بِذاتِه. المَعيَّةُ هنا تَكميلٌ لِلنَّاقِصِ، لا مَدحٌ لِلكامِل. من صَبَرَ أُعطِيَ ما لا يَملِكُهُ الصَّبرُ: الصِّلَة.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: النِّداءُ بِصِلَةِ الفِعلِ لا بِالهُوِيّة، والأمرُ بِطَلَبِ العَونِ لا بِالفِعلِ ذاتِه، وباءُ الاستِعانَةِ تَصرِفُ الصَّبرَ والصَّلاةَ إلى رُتبَةِ الأداة، والمَعيَّةُ تَختَصُّ بِالأداةِ التي لا صِلَةَ في جذرِها. فالمُصطَلَحُ «عِبادَة» لا يَستَقيمُ إلّا بِهذا التَّمييزِ الدَّقيقِ بَينَ الغايَةِ والأداةِ وبَينَ الدّاخِلِ والخارِج.


حَصيلة

النِّداءُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَرفُضُ تَحويلَ الإيمانِ إلى هُوِيَّةٍ مَوروثَة: الأُمَّةُ تُنادى بِصِلَةِ فِعلٍ ماضٍ لا باسمٍ ثابِت، فإن تَوَقَّفَ الفِعلُ سَقَطَ الوَصفُ. وصيغَةُ الاستِفعالِ في اسْتَعِينُوا﴾ تَكشِفُ أنَّ الأداتَينِ مُعانَتانِ لا مَقصودَتان: الصَّبرُ والصَّلاةُ ليسا غايَةً بَل وَسيلَةَ طَلَبِ العَون. والبَاءُ في بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ باءُ الاستِعانَةِ تُصرِفُهُما إلى رُتبَةِ الأداة. وجَذرُ (ص-ب-ر) صَلابَةٌ تَبرُزُ وتَستَرسِلُ داخِليّاً بِلا مَصروفٍ خارِجيّ ولا شاهِدٍ إلّا صاحِبُه، بَينَما (ص-ل-و) رابِطَةٌ مَتينَةٌ تَجري في مَحَلٍّ خارِجٍ نَحوَ شَطرِ المَسجِدِ الحَرامِ ثُمَّ تَعودُ إلى الداخِل. وتَكامُلُ الأداتَين عَلى مِحوَرٍ واحِد: الصَّبرُ نَفَسٌ مَحبوسٌ في الداخِل والصَّلاةُ نَفَسٌ مُطلَقٌ عائِد. ثُمَّ يَخُصُّ الخِتامُ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ الصَّابِرينَ دُونَ المُصَلِّينَ لأنَّ الصَّلاةَ صِلَةٌ في جَذرِها فَكانَ «الله مع المُصَلِّين» تَكراراً لِما هو مَبنيٌّ في الفِعل، أمّا الصَّبرُ فقد يُمارَسُ في عُزلَةٍ فجاءَت المَعيَّةُ تَسُدُّ ما لا يَسُدُّهُ الصَّبرُ بِذاتِه.