البقرة · الآية 151

﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ

كَمَا أَرْسَلْنَا: كافُ التَّحَقُّقِ تُحيلُ على دُعاءِ إبراهيمَ في 129

والكافُ هنا كافُ التَّحَقُّق، وليسَت لِلتَّشبيه، وهي مَعطوفةٌ على ما قَبلَها: وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ ثُمَّ كَمَا أَرْسَلْنَا. فإتمامُ النِّعمةِ في 150 يَتَعَيَّنُ مَضمونُه في 151، وهو إرسالُ الرَّسول. وهذا الإرسالُ نَفسُه هو الجَوابُ العَينيُّ لِدُعاءِ إبراهيمَ في 129 رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾. والوَظائفُ الأربَعُ نَفسُها تَعودُ بَعدَ اثنَتَينِ وعِشرينَ آية، مَعَ تَغييرٍ حاسِمٍ في التَّرتيب: في 129 «يُعَلِّمُهُم... وَيُزَكِّيهِم»، وفي 151 «يُزَكِّيكُم وَيُعَلِّمُكُم». وقد طَلَبَ الدُّعاءُ المَعرِفةَ قَبلَ التَّطهير، وقَدَّمَتِ الإجابةُ التَّطهيرَ على المَعرِفة، لأنّ الإنسانَ حينَ يَسألُ يُقَدِّمُ التَّعليم، وحينَ يُؤتى يَحتاجُ التَّزكيةَ أوّلاً لِيَقبَلَ التَّعليم.

فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ: حَرفا جَرٍّ يُسقِطانِ كُلَّ سُلطَةٍ غَريبَة

وفي الآيةِ حَرفا جَرٍّ لا يَستَقيمُ المَعنى بِدونِهِما: «فيكُم» و«مِنكُم». و«في» ظَرفيّةٌ حاضِرة: الرَّسولُ مُرسَلٌ فيكُم، قائمٌ في وَسَطِكُمُ الاجتِماعيّ، وليسَ مُرسَلاً إلَيكُم من الخارِج. و«من» تَبعيضيّةٌ جِنسيّة، ومِنكُم بِمَعنى من نَفسِ جِنسِكُمُ البَشَريّ، يَأكُلُ ويَشرَبُ ويَتعَب. والحَرفانِ يَسُدّانِ بابَ السُّلطةِ الكاهِنيّةِ المُستَورَدة: لا رَسولَ يَهبِطُ من سَماءٍ دونَ بَشَريّة، ولا وَحيٌ تَتِمُّ تَرجَمَتُه عَبرَ طَبَقةٍ كاهِنيّةٍ مُنفَصِلة. وهذا هو المَنطِقُ نَفسُه الذي قامَت عليه استِقلاليّةُ القِبلةِ في 149،150: كما لا تَتبَعُ قِبلَتُكُم مَركَزاً أجنَبيّاً، لا تَتَلَقَّونَ تَعليمَكُم من سُلطةٍ أجنَبيّة.

يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا: (ت ل و) فِعلٌ مُضارِعٌ يَكشِفُ مُتابَعَةً لا تَنقَطِع

وجَذرُ (ت ل و) سَبَقَ تَأسيسُه: الـت شُحنَتُها «امتِدادٌ لَطيفٌ + تَمام»، والـل «تَعَلُّقٌ مُمتَدّ»، والواوُ امتِدادٌ إلى غاية. فالنَّواةُ (ت ل) = امتِدادٌ لَطيفٌ مُتَعَلِّقٌ يُتابِع، والتِّلاوةُ تَتَبُّعٌ مُتَّصِلٌ بِلا فَجوة. واختيارُ الصّيغةِ المُضارِعةِ «يَتلو» دونَ الماضي «تَلا» مَقصود: الوَظيفةُ تُستَأنَفُ كُلَّما قَرَأَ قارِئٌ آية، ولا تَنتَهي بِالنُّزولِ الواحِد. فالرَّسولُ وإن غابَ شَخصُه يَبقى «يَتلو» من خِلالِ كُلِّ تِلاوةٍ في الأُمّة. والضَّميرُ في آيَاتِنَا﴾ بِصيغةِ الجَمعِ الإلهيِّ يَمنَعُ احتِكارَ نَصٍّ مُعَيَّن، والآياتُ تَتَعَدّى المَكتوبَ إلى كُلِّ عَلامةٍ في الآفاقِ والأنفُس، والرَّسولُ يَتلوها جَميعاً.

وَيُزَكِّيكُمْ: جذرُ (ز ك و) في صيغَةِ التَّفعيلِ تَطهيرٌ يُنمّي

والـز شُحنَتُها «اندِفاعٌ + اهتِزاز»، والـك «كَتمٌ + قَطع»، فالنَّواةُ (ز ك) = اندِفاعٌ يَنضَبِطُ بِالكَتم، أي نُمُوٌّ يَتَحَقَّقُ بِضَبط، ثُمَّ الواوُ تَمتَدُّ بِه إلى غاية. والزَّكاةُ في أصلِها الواحِدِ جَمعٌ بَينَ مَعنَيَينِ لا يَنفَصِلان: نَماءٌ وطَهارة. والصّيغةُ «يُزَكّيكُم» تَفعيل، وهي إحداثٌ مُتَدَخِّلٌ في المَحَلّ، ولا تَقِفُ عِندَ زَكاءٍ ذاتيّ. والتَّرتيبُ المُعَدَّلُ (تَزكيةٌ قَبلَ تَعليم) يَكشِفُ أنّ المَحَلَّ البَشَريَّ لا يَستَقبِلُ المَعرِفةَ وهو مُثقَلٌ بِالدَّخيل. والتَّزكيةُ هنا تَحريرُ الطّاقةِ المُكتَنِزةِ لِتَنمُوَ ذاتُها، زيادةً على التَّطهيرِ الأخلاقيّ، ثُمَّ يَأتي التَّعليمُ لِيَجِدَ تُربةً قابِلة.

«الكِتاب» في 151: نصٌّ يُتَلَقّى، لا حُكمٌ يُكتَبُ على

والكِتابُ هنا يُؤتى ولا يُفرَض، يُعَلِّمُه الرَّسولُ وتَتَلَقّاه الأُمّة. وهذه واحِدةٌ من ثَلاثِ صُوَرٍ يَحضُرُ بِها الجِذرُ (ك ت ب) في البَقَرة، ويَختَلِفُ في كُلِّ مَرّةٍ المَحَلُّ الذي يَلتَصِقُ بِه المَعنى. والمَلصوقُ هنا نَصٌّ يُنقَشُ في الذّاكِرةِ ويَستَقِرُّ في الصَّدر. وفي كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ وكُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ يَلتَصِقُ الحُكمُ بِالمُكَلَّفِ التِصاقَ الفَريضةِ التي لا تَزولُ عنه، وفي وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يَلتَصِقُ العَطاءُ بِالمُستَحِقِّ التِصاقَ الرِّزقِ المَوعود. وهي ثَلاثةُ مَواضِعَ لِفِعلٍ واحِد: نَصٌّ يُتَلَقّى، وفَريضةٌ تُلزِم، وعَطاءٌ يُمنَح. ومَدارُ الجِذرِ على ضَغطِ مَعنىً على سَطحٍ يَحفَظُه، والسَّطحُ هو الذي يَتَبَدَّل: قَلبُ التِّلميذ، وكَتِفُ المُكَلَّف، وكَفُّ المَوعود. والكِتابُ في آيَتِنا أيسَرُ هذه الثَّلاثِ وأرَقُّها، يُكتَبُ فيكَ ولا يُكتَبُ عليك.

«يُعَلِّمُكُم»: التَّعليمُ نَقشٌ في الباطِن، تَوأمُ الكِتابَة

ومَحَلُّ النَّظَرِ اقتِرانُ الفِعلَين: الكِتابةُ نَقشٌ على الصَّفحة، والتَّعليمُ نَقشٌ في النَّفس، وكِلاهُما يَنتَهي بِعَلامةٍ ثابِتة، حَرفٍ مَكتوبٍ لا يُمحى بِسُهولة، ومَعنىً مُعَلَّمٍ يَبقى يُمَيِّزُ صاحِبَه عن غَيرِه. ولذلك جاءَ الفِعلانِ مُتَجاوِرَينِ في وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ﴾: نَقشُ الصَّفحةِ يُسَلَّمُ إلى نَقشِ القَلب، فيَصيرُ النَّصُّ عَلامةً تُعرَفُ بِها الأُمّةُ من غَيرِها. وتَحضُرُ يُعَلِّمُكُم﴾ مَرَّتَينِ في هذه الآيةِ وَحدَها، ويَتَّسِعُ المُعَلَّمُ دَرَجةً بَعدَ دَرَجة: نَصٌّ مَنقوش، ثُمَّ حِكمةٌ تَضَعُه في مَوضِعِه، ثُمَّ ما لا يُمكِنُ بُلوغُه بِالعَقلِ وَحدَه، والتَّعليمُ يَفيضُ من القابِلِ لِلنَّقشِ إلى ما يَتَجاوَزُ كُلَّ صَفحة. ويَنقَلِبُ المَعنى حينَ تَنقَلِبُ النِّيّة: في يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ الفِعلُ ذاتُه، لكنّ المَنقوشَ مُفسِد، فتَصيرُ العَلامةُ وَصمة. والآيةُ في 151 تَستَرِدُّ القُطبَ المُضيءَ لِلجَذر: العِلمُ عَلامةٌ تُمَيِّزُ كما يُمَيِّزُ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾ كُلَّ قَومٍ بِمَوضِعِ مائِهِم، والتَّعليمُ يَترُكُ في القارِئِ أثَراً يَعرِفُه النّاسُ مِنه قَبلَ أن يَنطِقَ بِكَلِمة.

وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ: مَادَّةٌ ومَنهَجٌ، لا مَضمونٌ واحِد

والكِتابُ والحِكمةُ ليسا مُرادِفَين. والكِتابُ مَصدَرٌ من (ك ت ب) = جَمعٌ مُبرَز، أي ما تَمَّ جَمعُه وتَحديدُه وتَعيينُه. والحِكمةُ جَذرُها (ح ك م): الـح حَياةٌ حارّةٌ + احتِواء، والـك كَتمٌ + قَطع، والـم تَجَمُّعٌ + تَلاصُق؛ فالنَّواةُ (ح ك) = احتِواءٌ حَيٌّ يُمسِكُ بِإحكام، وبِـم يَستَقِرُّ الضَّبطُ ويَتَجَمَّع. فالحِكمةُ قُدرةٌ على وَضعِ الشَّيءِ في مَوضِعِه بِإحكامٍ لا يَتَزَعزَع، والرَّسولُ يُعَلِّمُ مادّةَ الكِتابِ (ما يُقالُ وما يُنقَل) ومَنهَجَ الحِكمةِ (كَيفَ يوضَعُ ما قيلَ في مَوضِعِه). والمَعرِفةُ بِالكِتابِ وَحدَه تُنتِجُ حافِظاً لا حَكيماً، والحِكمةُ بِلا كِتابٍ تُنتِجُ ذَكيّاً بِلا مَرجِع، والاقتِرانُ هو الشَّرط.

وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ: تَكرارُ (ع ل م) يَفتَحُ الحَدَّ المَعرِفِيَّ

وعُطِفَ التَّعليمُ الثّاني على الأوَّلِ لِيَفتَحَ ما خَلفَه، لا لِيُكَرِّرَه. والصّيغةُ مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ عُدِلَ فيها عن «ما لم تَعلَموا» (ما لم تَعلَموه فِعلاً) إلى استِعمالِ (ك و ن) الدّالّةِ على إمكانِ الكَينونة، أي ما لم يَكُن في وِسعِكُم أن تَعلَموه. وهذا نَفيٌ لِلإمكان، لا لِلوُقوع. والكِتابُ والحِكمةُ يُغَطِّيانِ ما في حُدودِ العَقلِ البَشَريِّ إدراكُه، أمّا هذا التَّعليمُ الرّابِعُ فيُغَطّي ما وَراءَ ذلك الحَدّ: الغَيبَ، والسُّنَنَ الكُبرى، والأسماءَ التي عُلِّمَها آدَم. وهذا هو الرَّبطُ الخَفيُّ مَعَ مَشهَدِ آدَمَ في 31 وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ﴾: ما عُلِّمَه آدَمُ على انفِرادٍ يُعَلَّمُ لِلأُمّةِ عَبرَ الرَّسول.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة، والرَّسولُ قَناةٌ «في» وَسَطٍ بَشَريٍّ و«من» جِنسٍ بَشَريّ، يَتلو بِاستِمرار، ويُزَكّي قَبلَ أن يُعَلِّم، ويَجمَعُ المادّةَ والمَنهَج، ويَفتَحُ ما وَراءَ حَدِّ الإدراك. فالمُصطَلَحُ «نَبيّ» لا يَستَقيمُ إلّا بِهذا الرُّباعيِّ المُرَتَّب، وإلّا انحَدَرَ إلى كاهِنٍ أو حافِظٍ أو خَطيب.


حَصيلة

كافُ التَّحَقُّقِ في كَمَا أَرْسَلْنَا﴾ تَربِطُ الآيةَ بِإتمامِ النِّعمةِ في 150، ومَضمونُ الإتمامِ إرسالُ الرَّسول. وهذا الإرسالُ جَوابُ دُعاءِ إبراهيمَ في 129 عَيناً، بِالوَظائفِ الأربَعِ ذاتِها مَعَ تَعديلٍ حاسِم: في 129 التَّعليمُ قَبلَ التَّزكية، وفي 151 التَّزكيةُ قَبلَ التَّعليم، لأنّ المَحَلَّ البَشَريَّ لا يَستَقبِلُ المَعرِفةَ وهو مُثقَلٌ بِالدَّخيل. وحَرفا «في» و«من» في فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ﴾ يَسُدّانِ بابَ السُّلطةِ الكاهِنيّةِ المُستَورَدة: لا رَسولَ يَهبِطُ دونَ بَشَريّةٍ ولا وَحيٌ يَتِمُّ عَبرَ طَبَقةٍ مُنفَصِلة. والتِّلاوةُ من (ت-ل-و) بِصيغةِ المُضارِعِ يَتْلُو﴾ دونَ الماضي تُفيدُ تَتَبُّعاً لاصِقاً مُستَمِرّاً يَمتَدُّ عَبرَ كُلِّ تِلاوةٍ في الأُمّة. ثُمَّ يَجمَعُ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ بَينَ المادّةِ والمَنهَج: الكِتابُ ما تَمَّ جَمعُه وتَعيينُه، والحِكمةُ من (ح-ك-م) قُدرةٌ على وَضعِ الشَّيءِ في مَوضِعِه بِإحكامٍ لا يَتَزَعزَع؛ وبِلا كِتابٍ يَنتُجُ ذَكيٌّ بِلا مَرجِع، وبِلا حِكمةٍ يَنتُجُ حافِظٌ بِلا فَهم. وخِتامُ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ نَفيٌ لِلإمكانِ لا لِلوُقوع، أي ما وَراءَ حَدِّ العَقلِ من الغَيبِ والسُّنَنِ الكُبرى، فيَتَّصِلُ الإرسالُ بِما عُلِّمَه آدَمُ من الأسماءِ في بَدءِ السّورة.