آل عمران · الآية 187
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ»: المِيثاقُ يَصِلُ مَأخوذاً
تَعطفُ الواوُ ظرفَ «إذ» وتَستدعي وقتَ فعلٍ ماضٍ: أخذ الله. الفاعلُ مصرَّحٌ به، والمفعولُ «ميثاق» مضافٌ إلى موصولٍ عرّفتْه صلتُه: الذين أُوتوا الكتاب. الميثاقُ من و-ث-ق إحاطةٌ تَجتمعُ بكثافةٍ ثمّ تَنعقدُ في العمق، فيَحملُ عهداً محكَماً. والبناءُ للمجهولِ في «أوتوا» يُثبِتُ وصولَ الكتابِ إليهم، ثمّ تَربطُ الإضافةُ الميثاقَ بهذه الصلةِ مباشرةً: إيتاءُ الكتابِ يَصحبُه عهدٌ مأخوذٌ محكَم.
«لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ»: الميثاقُ يَجمعُ الإظهارَ وتركَ الكتمان
تُؤكِّدُ اللامُ ونونُ التوكيدِ فعلَ «تبيّننّه»، والهاءُ مفعولٌ يعودُ إلى الكتابِ الأقرب. البيانُ من ب-ي-ن اتصالٌ تَمدُّه الياءُ حتى يَنبعثَ من الباطنِ إلى الخارج، وتَضعيفُ الياءِ في «تُبيِّنُنَّه» يُعيدُ الإبانةَ كلَّما احتاجَ الناسُ إليها، فهي عملٌ يُستأنَف، لا إعلانٌ يُقالُ مرّةً فيَسقُطُ التكليفُ بعدَها. واللامُ في «للناس» تَجعلُ الناسَ جهةَ هذا البيانِ على عمومِهم. ثمّ تَعطفُ الواوُ نفياً: ولا تكتمونه. الكتمانُ من ك-ت-م التقاءٌ غائرٌ يَبلغُ حدَّ القطعِ ثمّ يُمسَكُ في احتواءٍ باطن. اجتماعُ الأمرَينِ يُغلِقُ طريقَي التقصير: تركَ البيانِ وفعلَ الإخفاء.
«فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ»: المِيثاقُ يُطرَحُ وَراءَ الظُّهور
تأتي الفاءُ بالتعقيب، ويَعودُ واوُ الجماعةِ إلى أصحابِ الميثاق، والهاءُ إلى ما أُخِذَ عليهم. النبذُ من ن-ب-ذ احتواءٌ باطنٌ يَتَّصلُ ثمّ يَنفذُ نافذاً حادّاً، فيَحملُ طرحاً يُبعِدُ الشيءَ عن موضعِ الإمساك. ويَضبطُ الظرفُ اتجاهَه: وراءَ ظهورِهم. الظهورُ جمعٌ مضافٌ إلى ضميرِهم، فيَنسبُ الظرفُ الجهةَ إلى أبدانِهم أنفسِها: ما كانَ أمامَهم تكليفاً صارَ خَلفَهم مَتروكاً. المقابلةُ النصيّةُ بيّنة: ميثاقٌ مأخوذٌ ليُبيَّنَ ولا يُكتَم، ثمّ ضميرُه نفسُه يُنبَذُ إلى الوراء.
«وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ... فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ»: الثمنُ موصوفٌ والحكمُ حاضر
تَعطفُ الواوُ فعلاً ماضياً آخر: اشتروا. الباءُ في «به» تَجعلُ الضميرَ داخلاً في المعاوضة، و«ثمناً» مفعولٌ موصوفٌ بالقِلّة. ثمّ تَعقُبُ الفاءُ بصيغةِ الذمِّ «بئس»، و«ما» تُجمِلُ موضوعَ الحكم، ويَأتي المضارعُ «يشترون» ليَعرضَ الفعلَ في حالٍ متجدّدة، بعدَ ماضي «اشتروا». القِلّةُ والذمُّ يَحكمانِ الصفقةَ من طرفَيها: عوضٌ قليل، وفعلٌ يَتجدّدُ عليه حكمُ البؤس.
حَصيلة
تَستحضرُ الآيةُ ميثاقاً أخذه اللهُ على الذين أُوتوا الكتاب: بيانُه للناسِ بياناً مؤكَّداً مستداماً، وعدمُ كتمانِه. ثمّ تَعرضُ ثلاثةَ انتقالاتٍ متتابعةً في نَسَقٍ واحد: نبذُ الضميرِ وراءَ الظهور، والشراءُ به ثمناً قليلاً، وذمُّ ما يَشترون. يَبقى الكتابُ والثمنُ وأصحابُ الفعلِ عندَ حدودِ الألفاظِ التي عرّفتْهم، فالميثاقُ والنبذُ والشراءُ هي التي تَحمِلُ الحكم. وبذلك يَصنعُ ترتيبُ الجملِ ميزانَه: إحكامُ الميثاقِ في البدء، ثمّ إبعادُه عن الظهر، ثمّ استبدالُه بقليل، ثمّ حكمٌ لا يَزنُ الربحَ بلسانِ المشترين بل يَسمّيه شراءً بئيساً.